المسألة الثانية: الرجس لا يمكن أن يكون المراد منه العذاب لأن المراد من الغضب العذاب ، فلو حملنا الرجس عليه لزم التكرير ، وأيضًا الرجس ضد التزكية والتطهير . قال تعالى: { تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } [ التوبة: 103 ] وقال في صفة أهل البيت: { وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيرًا } [ الأحزاب: 33 ] والمراد التطهر من العقائد الباطلة والأفعال المذمومة ، وإذا كان كذلك ، وجب أن يكون الرجس عبارة عن العقائد الباطلة والأفعال المذمومة .
إذا ثبت هذا فقوله: { قد وقع عليكم من ربكم رجس } يدل على أنه تعالى خصهم بالعقائد المذمومة والصفات القبيحة ، وذلك يدل على أن الخير والشر من الله تعالى ، قال القفال: يجوز أن يكون الرجس هو الازدياد في الكفر بالرين على القلوب كقوله تعالى: { فزادتهم رجسًا إلى رجسهم } [ التوبة: 125 ] أي قد وقع عليكم من الله رين على قلوبكم عقوبة منه لكم بالخذلان لألفكم الكفر وتماديكم في الغي .
واعلم أنا قد دللنا على أن هذه الآية تدل على أن كفرهم من الله ، فهذا الذي قاله القفال أن كان المراد منه ذلك . فقد جاء بالوفاق . إلا أنه شديد النفرة عن هذا المذهب وأكثر تأويل الآيات الدالة على هذا المذهب تدل على أنه لا يقول بهذا القول وإن كان المراد منه الجواب عما شرحناه ، فهو ضعيف لأنه ليس فيه ما يوجب رفع الدليل الذي ذكرناه ، والله أعلم .
وحاصل الكلام في الآية: أن القوم لما أصروا على التقليد وعدم الانقياد للدليل زادهم الله كفرًا ، وهو المراد من قوله: { قد وقع عليكم من ربكم رجس } ثم خصهم بمزيد الغضب ، وهو قوله: { وغضب } .
ثم قال: { أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان } والمراد منه: الاستفهام على سبيل الإنكار ، وذلك لأنهم كانوا يسمون الأصنام بالآلهة ، مع أن معنى الإلهية فيها معدوم ، وسموا واحدًا منها بالعزى مشتقًا من العز ، والله ما أعطاه عزًا أصلًا ، وسموا آخر منها باللات ، وليس له من الإلهية شيء . وقوله: { ما نزل الله بها من سلطان } عبارة عن خلو مذاهبهم عن الحجة والبينة ، ثم إنه عليه السلام ذكر لهم وعيدًا مجددا فقال: { فانتظروا } ما يحصل لكم من عبادة هذه الأصنام { إني معكم من المنتظرين } .
ثم إنه تعالى أخبر عن عاقبة هذه الواقعة فقال: { فأنجيناه والذين معه برحمة منا } إذ كانوا مستحقين للرحمة بسبب إيمانهم ، وقطعنا دابر الذين كذبوا بالآيات التي جعلناها معجزة لهود ، والمراد أنه تعالى أنزل عليهم عذاب الاستئصال الذي هو الريح ، وقد بين الله كيفيته في غير هذا الموضع ، وقطع الدابر: هو الاستئصال ، فدل بهذا اللفظ أنه تعالى ما أبقى منهم أحدًا ، ودابر الشيء آخره .
فإن قيل: لما أخبر عنهم بأنهم كانوا مكذبين بآيات الله لزم القطع بأنهم ما كانوا مؤمنين ، فما الفائدة في قوله بعد ذلك: { وما كانوا مؤمنين } .
قلنا: معناه أنهم مكذبون ، وعلم الله منهم أنهم لو بقوا لم يؤمنوا أيضًا ، ولو علم تعالى أنهم سيؤمنون لأبقاهم .