فهرس الكتاب

الصفحة 4476 من 8321

أما قوله: { يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تجادل عَن نَّفْسِهَا } ففيه أبحاث:

البحث الأول: قال الزجاج: ( يوم ) منصوب على وجهين . أحدهما: أن يكون المعنى: { إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ يَوْمَ تَأْتِي } يعني أنه تعالى يعطي الرحمة والغفران في ذلك اليوم الذي يعظم احتياج الإنسان فيه إلى الرحمة والغفران . والثاني: أن يكون التقدير: وذكرهم أو اذكر يوم كذا وكذا ، لأن معنى القرآن العظمة والإنذار والتذكير .

البحث الثاني: لقائل أن يقول: النفس لا تكون لها نفس أخرى ، فما معنى قوله: { كُلُّ نَفْسٍ تجادل عَن نَّفْسِهَا } .

والجواب: النفس قد يراد به بدن الحي وقد يراد به ذات الشيء وحقيقته ، فالنفس الأولى هي الجثة والبدن . والثانية: عينها وذاتها ، فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته ولا يهمه شأن غيره . قال تعالى: { لِكُلّ امرىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } [ عبس: 37 ] وعن بعضهم: تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه يقول: يا رب نفسي نفسي حتى أن إبراهيم الخليل عليه السلام يفعل ذلك . ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم: { هَؤُلاء أَضَلُّونَا } [ الأعراف: 38 ] وقولهم: { والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } [ الأنعام: 23 ] .

ثم قال تعالى: { وتوفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ } فيه محذوف ، والمعنى: توفى كل نفس جزاء ما عملت من غير بخس ولا نقصان ، وقوله: { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } قال الواحدي: معناه لا ينقضون . قال القاضي: هذه الآية من أقوى ما يدل على ما نذهب إليه في الوعيد ، لأنها تدل على أنه تعالى يوصل إلى كل أحد حقه من غير نقصان ، ولو أنه تعالى أزال عقاب المذنب بسبب الشفاعة لم يصح ذلك .

والجواب: لا نزاع أن ظاهر العمومات يدل على قولكم ، إلا أن مذهبنا أن التمسك بظواهر العمومات لا يفيد القطع ، وأيضًا فظواهر الوعيد معارضة بظواهر الوعد ، ثم بينا في سورة البقرة في تفسير قوله: { بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ } [ البقرة: 81 ] أن جانب الوعد راجح على جانب الوعيد من وجوه كثيرة ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت