أما قوله تعالى: { ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِى } أي قبلتم عهدي ، والأخذ بمعنى القبول كثير في الكلام قال تعالى: { وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } [ البقرة: 48 ] أي يقبل منها فدية وقال: { وَيَأْخُذُ الصدقات } [ التوبة: 104 ] أي يقبلها والإصر هو الذي يلحق الإنسان لأجل ما يلزمه من عمل قال تعالى: { وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } [ البقرة: 286 ] فسمى العهد إصرًا لهذا المعنى ، قال صاحب «الكشاف» : سمى العهد إصرًا لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد ، ومنه الإصار الذي يعقد به وقرىء { إِصْرِى } ويجوز أن يكون لغة في إصر .
ثم قال تعالى: { قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فاشهدوا وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين } وفي تفسير قوله { فَأَشْهِدُواْ } وجوه الأول: فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار ، وأنا على إقراركم وإشهاد بعضكم بعضًا { مّنَ الشاهدين } وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله وشهادة بعضهم على بعض الثاني: أن قوله { فَأَشْهِدُواْ } خطاب للملائكة الثالث: أن قوله { فَأَشْهِدُواْ } أي ليجعل كل أحد نفسه شاهدًا على نفسه ونظيره قوله { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَا } [ الأعراف: 172 ] على أنفسنا وهذا من باب المبالغة الرابع: { فَأَشْهِدُواْ } أي بينوا هذا الميثاق للخاص والعام ، لكي لا يبقى لأحد عذر في الجهل به ، وأصله أن الشاهد هو الذي يبين صدق الدعوى الخامس: { فَأَشْهِدُواْ } أي فاستيقنوا ما قررته عليكم من هذا الميثاق ، وكونوا فيه كالمشاهد للشيء المعاين له السادس: إذا قلنا إن أخذ الميثاق كان من الأمم فقوله { فَأَشْهِدُواْ } خطاب للأنبياء عليهم السلام بأن يكونوا شاهدين عليهم .
وأما قوله تعالى: { وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين } فهو للتأكيد وتقوية الإلزام ، وفيه فائدة أخرى وهي أنه تعالى وإن أشهد غيره ، فليس محتاجًا إلى ذلك الإشهاد ، لأنه تعالى لا يخفى عليه خافية لكن لضرب من المصلحة لأنه سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى ، ثم إنه تعالى ضم إليه تأكيدًا آخر فقال: { فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون } يعني من أعرض عن الإيمان بهذا الرسول وبنصرته بعد ما تقدم من هذه الدلائل كان من الفاسقين ووعيد الفاسق معلوم ، وقوله { فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك } هذا شرط ، والفعل الماضي ينقلب مستقبلًا في الشرط والجزاء ، والله أعلم .