السؤال الثالث: حاصل الكلام أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع الأنبياء بأن يؤمنوا بكل رسول يجيء مصدقًا لما معهم فما معنى ذلك الميثاق .
والجواب: يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لأمر الله واجب ، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولًا عند ظهور المعجزات الدالة على صدقه فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه ، فتقدير هذا الدليل في عقولهم هو المراد من أخذ الميثاق ، ويحتمل أن يكون المراد من أخذ الميثاق أنه تعالى شرح صفاته في كتب الأنبياء المتقدمين ، فإذا صارت أحواله مطابقة لما جاء في الكتب الإلهية المتقدمة وجب الانقياد له ، فقوله تعالى: { ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ } يدل على هذين الوجهين ، أما على الوجه الأول ، فقوله { رَّسُول } وأما على الوجه الثاني ، فقوله { مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ } .
أما قوله { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } فالمعنى ظاهر ، وذلك لأنه تعالى أوجب الإيمان به أولًا ، ثم الاشتغال بنصرته ثانيًا ، واللام في { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ } لام القسم ، كأنه قيل: والله لتؤمنن به .
ثم قال تعالى: { قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِى } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: إن فسرنا قوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين } بأنه تعالى أخذ المواثيق على الأنبياء كان قوله تعالى { أأقررتم } معناه: قال الله تعالى للنبيّين أأقرتم بالإيمان به والنصرة له وإن فسرنا أخذ الميثاق بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أخذوا المواثيق على الأمم كان معنى قوله { قَالَ أأقررتم } أي قال كل نبي لأمته أأقررتم ، وذلك لأنه تعالى أضاف أخذ الميثاق إلى نفسه ، وإن كانت النبيون أخذوه على الأمم ، فكذلك طلب هذا الإقرار أضافه إلى نفسه وإن وقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والمقصود أن الأنبياء بالغوا في إثبات هذا المعنى وتأكيده ، فلم يقتصروا على أخذ الميثاق على الأمم ، بل طالبوهم بالإقرار بالقول ، وأكدوا ذلك بالإشهاد .
المسألة الثانية: الإقرار في اللغة منقول بالألف من قر الشيء يقر ، إذا ثبت ولزم مكانه وأقره غيره والمقر بالشيء يقره على نفسه أي يثبته .