فهرس الكتاب

الصفحة 1780 من 8321

{ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لّبَنِى إسراءيل أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِى } [ الإسراء: 2 ] ولم يقل من دوننا كما قال: { وجعلناه } ، والله أعلم .

المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر النبيّين على سبيل المغايبة ثم قال: { ءَاتَيْتُكُم } وهو مخاطبة إضمار والتقدير: وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين فقال مخاطبًا لهم لما آتيتكم من كتاب وحكمة ، والإضمار باب واسع في القرآن ، ومن العلماء من التزم في هذه الآية إضمارًا آخر وأراح نفسه عن تلك التكلفات التي حكيناها عن النحويين فقال تقدير الآية: وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة ، قال إلا أنه حذف لتبلغن لدلالة الكلام عليه لأن لام القسم إنما يقع على الفعل فلما دلت هذه اللام على هذا الفعل لا جرم حذفه اختصارًا ثم قال تعالى بعده { ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ } وهو محمد A { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } وعلى هذا التقدير يستقيم النظم ولا يحتاج إلى تكليف تلك التعسفات ، وإذا كان لا بد من التزام الإضمار فهذا الإضمار الذي به ينتظم الكلام نظمًا بينًا جليًا أولى من تلك التكلفات .

المسألة الرابعة: في قوله { لَمَا ءَاتَيْتُكُم مّن كتاب } إشكال ، وهو أن هذا الخطاب إما أن يكون مع الأنبياء أو مع الأمم ، فإن كان مع الأنبياء فجميع الأنبياء ما أوتوا الكتاب ، وإنما أوتي بعضهم وإن كان مع الأمم ، فالإشكال أظهر ، والجواب عنه من وجهين الأول: أن جميع الأنبياء عليهم السلام أوتوا الكتاب ، بمعنى كونه مهتديًا به داعيًا إلى العمل به ، وإن لم ينزل عليه والثاني: أن أشرف الأنبياء عليهم السلام هم الذين أوتوا الكتاب ، فوصف الكل بوصف أشرف الأنواع .

المسألة الخامسة: الكتاب هو المنزل المقروء والحكمة هي الوحي الوارد بالتكاليف المفصلة التي لم يشتمل الكتاب عليها .

المسألة السادسة: كلمة { مِنْ } في قوله { مِن كتاب } دخلت تبيينًا لما كقولك: ما عندي من الورق دانقان .

أما قوله تعالى: { ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ } ففيه سؤالات:

السؤال الأول: ما وجه قوله { ثُمَّ جَاءكُمْ } والرسول لا يجيء إلى النبيّين وإنما يجيء إلى الأمم؟ .

والجواب: إن حملنا قوله { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين } على أخذ ميثاق أممهم فقد زال السؤال وإن حملناه على أخذ ميثاق النبيّين أنفسهم كان قوله { ثُمَّ جَاءكُمْ } أي جاء في زمانكم .

السؤال الثاني: كيف يكون محمد A مصدقًا لما معهم مع مخالفة شرعه لشرعهم ، قلنا: المراد به حصول الموافقة في التوحيد ، والنبوات ، وأصول الشرائع ، فأما تفاصيلها وإن وقع الخلاف فيها؛ فذلك في الحقيقة ليس بخلاف ، لأن جميع الأنبياء عليهم السلام متفقون على أن الحق في زمان موسى عليه السلام ليس إلا شرعه وأن الحق في زمان محمد A ليس إلا شرعه ، فهذا وإن كان يوهم الخلاف ، إلا أنه في الحقيقة وفاق ، وأيضًا فالمراد من قوله { ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ } هو محمد A ، والمراد بكونه مصدقًا لما معهم هو أن وصفه وكيفية أحواله مذكورة في التوراة والإنجيل ، فلما ظهر على أحوال مطابقة لما كان مذكورًا في تلك الكتب ، كان نفس مجيئه تصديقًا لما كان معهم ، فهذا هو المراد بكونه مصدقًا لما معهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت