فهرس الكتاب

الصفحة 1784 من 8321

المسألة الأولى: الإسلام ، هو الاستسلام والانقياد والخضوع .

إذا عرفت هذا ففي خضوع كل من في السموات والأرض لله وجوه الأول: وهو الأصح عندي أن كل ما سوى الله سبحانه ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه فإذن كل ما سوى الله فهو منقاد خاضع لجلال الله في طرفي وجوده وعدمه ، وهذا هو نهاية الانقياد والخضوع ، ثم إن في هذا الوجه لطيفة أخرى وهي أن قوله { وَلَهُ أَسْلَمَ } يفيد الحصر أي وله أسلم كل من في السموات والأرض لا لغيره ، فهذه الآية تفيد أن واجب الوجود واحد وأن كل ما سواه فإنه لا يوجد إلا بتكوينه ولا يفنى إلا بإفنائه سواء كان عقلًا أو نفسًا أو روحًا أو جسمًا أو جوهرًا أو عرضًا أو فاعلًا أو فعلًا ، ونظير هذه الآية في الدلالة على هذا المعنى قوله تعالى: { وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى السموات والأرض } [ الرعد: 15 ] وقوله { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } [ الإسراء: 44 ] .

الوجه الثاني: في تفسير هذه الآية أنه لا سبيل لأحد إلى الامتناع عليه في مراده ، وإما أن ينزلوا عليه طوعًا أو كرهًا ، فالمسلمون الصالحون ينقادون لله طوعًا فيما يتعلق بالدين ، وينقادون له كرهًا فيما يخالف طباعهم من المرض والفقر والموت وأشباه ذلك ، وأما الكافرون فهم ينقادون لله تعالى على كل حال كرهًا لأنهم لا ينقادون فيما يتعلق بالدين ، وفي غير ذلك مستسلمون له سبحانه كرهًا ، لأنه لا يمكنهم دفع قضائه وقدره الثالث: أسلم المسلمون طوعًا ، والكافرون عند موتهم كرهًا لقوله تعالى: { فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } [ غافر: 85 ] الرابع: أن كل الخلق منقادون لإلهيته طوعًا بدليل قوله تعالى: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ لقمان: 25 ] ومنقادون لتكاليفه وإيجاده للآلام كرهًا الخامس: أن انقياد الكل إنما حصل وقت أخذ الميثاق وهو قوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } [ الأعراف: 172 ] السادس: قال الحسن: الطوع لأهل السموات خاصة ، وأما أهل الأرض فبعضهم بالطوع وبعضهم بالكره ، وأقول: إنه سبحانه ذكر في تخليق السموات والأرض هذا وهو قوله { فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت: 11 ] وفيه أسرار عجيبة .

أما قوله { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فالمراد أن من خالفه في العاجل فسيكون مرجعه إليه ، والمراد إلى حيث لا يملك الضر والنفع سواه هذا وعيد عظيم لمن خالف الدين الحق .

المسألة الثانية: قال الواحدي C: الطوع الانقياد ، يقال: طاعه يطوعه طوعًا إذا انقاد له وخضع ، وإذا مضى لأمره فقد أطاعه ، وإذا وافقه فقد طاوعه ، قال ابن السكيت: يقال طاع له وأطاع ، فانتصب طوعًا وكرهًا على أنه مصدر وقع موقع الحال ، وتقديره طائعًا وكارهًا ، كقولك أتاني راكضًا ، ولا يجوز أن يقال: أتاني كلامًا أي متكلمًا ، لأن الكلام ليس يضرب للإتيان ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت