واعلم أن قوله: { واصبًا } حال ، والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل . وأقول: الدين قد يعني به الانقياد . يقال: يا من دانت له الرقاب أي انقادت . فقوله: { وله الدين واصبًا } أي انقياد كل ما سواه له لازم أبدًا ، لأن انقياد غيره له معلل بأن غيره ممكن لذاته ، والممكن لذاته يلزمه أن يكون محتاجًا إلى السبب في طرفي الوجود والعدم والماهيات يلزمها الإمكان لزومًا ذاتيًا ، والإمكان يلزمه الاحتياج إلى المؤثر لزومًا ذاتيًا ، ينتج أن الماهيات يلزمها الاحتياج إلى المؤثر لزومًا ذاتيًا فهذه الماهيات موصوفة بالانقياد لله تعالى أتصافًا دائمًا واجبًا لازمًا ممتنع التغير . وأقول: في الآية دقيقة أخرى ، وهي أن العقلاء اتفقوا على أن الممكن حال حدوثه محتاج إلى السبب المرجح ، واختلفوا في الممكن حال بقائه هل هو محتاج إلى السبب؟ قال المحققون: إنه محتاج لأن علة الحاجة هي الإمكان والإمكان من لوازم الماهية فيكون حاصلًا للماهية حال حدوثها وحال بقائها فتكون علة الحاجة حال حدوث الممكن وحال بقائه ، فوجب أن تكون الحاجة حاصلة حال حدوثها وحال بقائها .
إذا عرفت هذا فقوله: { وله ما في السموات والأرض } معناه: أن كل ما سوى الحق فإنه محتاج في انقلابه من العدم إلى الوجود أو من الوجود إلى العدم إلى مرجح ومخصص ، وقوله: { وله الدين واصبًا } معناه أن هذا الانقياد وهذا الاحتياج حاصل دائمًا أبدًا ، وهو إشارة إلى ما ذكرناه من أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرجح والمخصص ، وهذه دقائق من أسرار العلوم الإلهية مودعة في هذه الألفاظ الفائضة من عالم الوحي والنبوة .
ثم قال تعالى: { أفغير الله تتقون } والمعنى: أنكم بعد ما عرفتم أن إله العالم واحد وعرفتم أن كل ما سواه محتاج إليه في وقت حدوثه ، ومحتاج إليه أيضًا في وقت دوامه وبقائه ، فبعد العلم بهذه الأصول كيف يعقل أن يكون للإنسان رغبة في غير الله تعالى أو رهبة عن غير الله تعالى؟ فلهذا المعنى قال على سبيل التعجب: { أفغير الله تتقون } .
ثم قال: { وما بكم من نعمة فمن الله } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: أنه لما بين بالآية الأولى أن الواجب على العاقل أن لا يتقي غير الله ، بين في هذه الآية أنه يجب عليه أن لا يشكر أحدًا إلا الله تعالى ، لأن الشكر إنما يلزم على النعمة ، وكل نعمة حصلت للإنسان فهي من الله تعالى لقوله: { وما بكم من نعمة فمن الله } فثبت بهذا أن العاقل يجب عليه أن لا يخاف وأن لا يتقي أحدًا إلا الله وأن لا يشكر أحدًا إلا الله تعالى .