{ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ } [ النساء: 104 ] .
السبب الثالث لقبح هذه المخالطة: قوله تعالى: { وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } والمعنى: أنه إذا خلا بعضهم ببعض أظهروا شدة العداوة ، وشدة الغيظ على المؤمنين حتى تبلغ تلك الشدة إلى عض الأنامل ، كما يفعل ذلك أحدنا إذا اشتد غيظه وعظم حزنه على فوات مطلوبه ، ولما كثر هذا الفعل من الغضبان ، صار ذلك كناية عن الغضب حتى يقال في الغضبان: إنه يعض يده غيظًا وإن لم يكن هناك عض ، قال المفسرون: وإنما حصل لهم هذا الغيظ الشديد لما رأوا من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم .
ثم قال تعالى: { قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } وهو دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به ، والمراد من ازدياد الغيظ ازدياد ما يوجب لهم ذلك الغيظ من قوة الإسلام وعزة أهله وما لهم في ذلك من الذل والخزي .
فإن قيل: قوله { قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } أمر لهم بالإقامة على الغيظ ، وذلك الغيظ كفر ، فكان هذا أمرًا بالإقامة على الكفر وذلك غير جائز .
قلنا: قد بينا أنه دعاء بازدياد ما يوجب هذا الغيظ وهو قوة الإسلام فسقط السؤال:
وأيضًا فإنه دعاء عليهم بالموت قبل بلوغ ما يتمنون .
ثم قال: { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: ( ذات ) كلمة وضعت لنسبة المؤنث كما أن ( ذو ) كلمة وضعت لنسبة المذكر والمراد بذات الصدور الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه وهي لكونها حالة في القلب منتسبة إليه فكانت ذات الصدور ، والمعنى أنه تعالى عالم بكل ما حصل في قلوبكم من الخواطر والبواعث والصوارف .
المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» يحتمل أن تكون هذه الآية داخلة في جملة المقول وأن لا تكون أما الأول: فالتقدير: أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظًا إذا خلوا وقل لهم: إن الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم ، وهو مضمرات الصدور ، فلا تظنوا أن شيئًا من أسراركم يخفى عليه أما الثاني: وهو أن لا يكون داخلًا في المقول فمعناه: قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من اطلاعي إياك على ما يسرون ، فإني أعلم ما هو أخفى من ذلك ، وهو ما أضمروه في صدورهم ولم يظهروه بألسنتهم ويجوز أن لا يكون ، ثم قول وأن يكون قوله { قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } أمر الرسول A بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله إياه أنهم يهلكون غيظًا بإعزاز الإسلام وإذلالهم به ، كأنه قيل: حدث نفسك بذلك ، والله تعالى أعلم .