{ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا قَالَ أساطير الأولين } [ القلم: 14 ، 15 ] والمعنى أمن أجل أن يؤتي أحد شرائع مثل ما أوتيتم من الشرائع ينكرون اتباعه؟ ثم حذف الجواب للاختصار ، وهذا الحذف كثير يقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه ، وتعديده عليه ذنوبه بعد كثرة إحسانه إليه أمن قلة إحساني إليك أمن إهانتي لك؟ والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت؟ ونظيره قوله تعالى: { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاءَ اليل ساجدا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الأخرة وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ } [ الزمر: 9 ] وهذا الوجه مروي عن مجاهد وعيسى بن عمر . أما قراءة من قرأ بقصر الألف من { أن } فقد يمكن أيضًا حملها على معنى الاستفهام كما قرىء { سَوَاءَ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } [ البقرة: 6 ] بالمد والقصر ، وكذا قوله { أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ } قرىء بالمد والقصر ، وقال امرؤ القيس:
تروح من الحي أم تبتكر؟ ... وماذا عليك ولم تنتظر
أراد أروح من الحي؟ فحذف ألف الاستفهام ، وإذا ثبت أن هذه القراءة محتملة لمعنى الاستفهام كان التقدير ما شرحناه في القراءة الأولى .
الوجه الثاني: أن أولئك لما قالوا لأتباعهم: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أمر الله تعالى نبيه A أن يقول لهم إن الهدى هدى الله فلا تنكروا أن يؤتي أحد سواكم من الهدى مثل ما أوتيتموه { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ } يعني هؤلاء المسلمين بذلك { عِندَ رَبّكُمْ } إن لم تقبلوا ذلك منهم ، أقصى ما في الباب أنه يفتقر في هذا التأويل إلى إضمار قوله فلا تنكروا لأن عليه دليلًا وهو قوله { إِنَّ الهدى هُدَى الله } فإنه لما كان الهدى هدى الله كان له تعالى أن يؤتيه من يشاء من عباده ومتى كان كذلك لزم ترك الإنكار .
الوجه الثالث: إن الهدى اسم للبيان كقوله تعالى: { وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم فاستحبوا العمى عَلَى الهدى } [ فصلت: 17 ] فقوله { إِنَّ الهدى } مبتدأ وقوله { هُدَى الله } بدل منه وقوله { أَن يؤتى أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } خبر بإضمار حرف لا ، والتقدير: قل يا محمد لا شك أن بيان الله هو أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، وهو دين الإسلام الذي هو أفضل الأديان وأن لا يحاجوكم يعني هؤلاء اليهود عند ربكم في الآخرة لأنه يظهر لهم في الآخرة أنكم محقون وأنهم مضلون ، وهذا التأويل ليس فيه إلا أنه لا بد من إضمار حرف { لا } وهو جائز كما في قوله تعالى: { أَن تَضِلُّواْ } [ النساء: 44 ] أي أن لا تضلوا .
الوجه الرابع: { الهدى } اسم و { هُدَى الله } بدل منه و { أَن يؤتى أَحَدٌ } خبره والتقدير: إن هدى الله هو أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم ، وعلى هذا التأويل فقوله { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ } لا بد فيه من إضمار ، والتقدير: أو يحاجوكم عند ربكم فيقضى لكم عليهم ، والمعنى: أن الهدى هو ما هديتكم به من دين الإسلام الذي من حاجكم به عندي قضيت لكم عليه ، وفي قوله { عِندَ رَبّكُمْ } ما يدل على هذا الإضمار ولأن حكمه بكونه ربًا لهم يدل على كونه راضيًا عنهم وذلك مشعر بأنه يحكم لهم ولا يحكم عليهم .