{ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَكُنتُم مّنَ الخاسرين } [ الأعراف: 23 ] أن يحتج على موسى بأنه لا لوم عليه ، وقد كتب عليه ذلك قبل أن يخلقه ، هذا جملة كلام القاضي فيقال له هب أنك لا تقبل ذلك الخبر ، فهل ترد هذه الآية أم لا ، فإنا بينا أن صريح هذه الآية يدل على أنه لا تأثير للوساوس في هذا الباب ، فإن الكل يحصل بحكمة الله تعالى ، والذي يدل عليه وجوه الأول: أن الكافر إن ضل بسبب وسوسة الشيطان فضلال الشيطان إن كان بسبب شيطان آخر لزم تسلسل الشياطين وهو محال ، وإن انتهى إلى ضلال لم يحصل بسبب وسوسة متقدمة فهو المطلوب الثاني: أن كل أحد يريد أن يحصل لنفسه الاعتقاد الحق والدين الصدق ، فحصول ضده يدل على أن ذلك ليس منه الثالث: أن الأفعال موقوفة على الدواعي وحصول الدواعي بخلق الله ، فيكون الكل من الله تعالى الرابع: أنه تعالى لما اقتضت حكمته شيئًا ، وعلم وقوعه ، فلو لم يقع ذلك الشيء لزم انقلاب ذلك الحكم كذبًا وانقلاب ذلك العلم جهلًا وهو محال ، وأما الآيات التي تمسك بها القاضي فهي معارضة بالآيات الدالة على أن الكل من الله والقرآن كالبحر المملوء من هذه الآيات فتبقى الدلائل العقلية التي ذكرناها سليمة ، والله أعلم .
ثم قال تعالى: { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } فالجمهور على أنهم الملائكة ، وصفوا أنفسهم بالمبالغة في العبودية ، فإنهم يصطفون للصلاة والتسبيح ، والغرض منه التنبيه على فساد قول من يقول إنهم أولاد الله وذلك لأن مبالغتهم في العبودية تدل على اعترافهم بالعبودية ، واعلم أن هذه الآية تدل على ثلاثة أنواع من صفات الملائكة فأولها قوله تعالى: { وَمَا مِنَّا إِلاَّ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } وهذا يدل على أن لكل واحد منهم مرتبة لا يتجاوزها ودرجة لا يتعدى عنها ، وتلك الدرجات إشارة إلى درجاتهم في التصرف في أجسام هذا العالم إلى درجاتهم في معرفة الله تعالى أما درجاتهم في التصرفات والأفعال فهي قوله: { وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون } والمراد كونهم صافين في أداء الطاعات ومنازل الخدمة والعبودية ، وأما درجاتهم في المعارف فهي قوله تعالى: { وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون } والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به .