المسألة الثانية: قال الخليل والكسائي: موضع { أَن يَتَرَاجَعَا } خفض بإضمار الخافض ، تقديره: في أن يتراجعا ، وقال الفراء: موضعه نصب بنزع الخافض .
أما قوله تعالى: { إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله } ففيه مسألتان:
المسألة الأولى: قال كثير من المفسرين { إِن ظَنَّا } أي إن علما وأيقنا أنهما يقيمان حدود الله ، وهذا القول ضعيف من وجوه أحدها: أنك لا تقول: علمت أن يقوم زيد ولكن علمت أنه يقوم زيد والثاني: أن الإنسان لا يعلم ما في القدر وإنما يظنه والثالث: أنه بمنزلة قوله تعالى: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ فِي ذلك إِنْ أَرَادُواْ إصلاحا } [ البقرة: 228 ] فإن المعتبر هناك الظن فكذا ههنا ، وإذا بطل هذا القول فالمراد منه نفس الظن ، أي متى حصل هذا الظن ، وحصل لهما العزم على إقامة حدود الله ، حسنت هذه المراجعة ومتى لم يحصل هذا الظن وخافا عند المراجعة من نشوز منها أو إضرار منه فالمراجعة تحرم .
المسألة الثانية: كلمة { إن } في اللغة للشرط والمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط فظاهر الآية يقتضي أنه متى لم يحصل هذا الظن لم يحصل جواز المراجعة ، لكنه ليس الأمر كذلك ، فإن جواز المراجعة ثابت سواء حصل هذا الظن أو لم يحصل إلا أنا نقول: ليس المراد أن هذا شرط لصحة المراجعة: بل المراد منه أنه يلزمهم عند المراجعة بالنكاح الجديد رعاية حقوق الله تعالى ، وقصد الإقامة لحدود الله وأوامره ، ثم قال بعد ذلك: { وَتِلْكَ حُدُودُ الله يُبَيّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قوله تعالى: { وَتِلْكَ حُدُودُ الله } إشارة إلى ما بينها من التكاليف ، وقوله: { يُبَيّنُهَا } إشارة إلى الاستقبال والجمع بينهما متناقض وعندي أن هذه النصوص التي تقدمت أكثرها عامة يتطرق إليها تخصيصات كثيرة ، وأكثر تلك المخصصات إنما عرفت بالسنة ، فكان المراد والله أعلم أن هذه الأحكام التي تقدمت هي حدود الله وسيبينها الله تعالى كمال البيان على لسان نبيه A ، وهو كقوله تعالى: { لِيُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } [ النحل: 44 ] .
المسألة الثانية: قرأ عاصم في رواية أبان { نبينها } بالنون وهي نون التعظيم والباقون بالياء على أنه يرجع على اسم الله تعالى .
والمسألة الثالثة: إنما خص العلماء بهذا البيان لوجوه أحدها: أنهم هم الذين ينتفعون بالآيات فغيرهم بمنزلة من لا يعتد به ، وهو كقوله: { فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] ، والثاني: أنه خصهم بالذكر كقوله: { وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال } [ البقرة: 98 ] والثالث: يعني به العرب لعلمهم باللسان ، والرابع: يريد من له عقل وعلم ، كقوله: { وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العالمون } [ العنكبوت: 43 ] والمقصود أنه لا يكلف إلا عاقلًا عالمًا بما يكلفه ، لأنه متى كان كذلك فقد أزيح عذر المكلف ، والخامس: أن قوله: { تِلْكَ حُدُودُ الله } يعني ما تقدم ذكره من الأحكام يبينها الله لمن يعلم أن الله أنزل الكتاب وبعث الرسول ليعملوا بأمره وينتهوا عما نهوا عنه .