ثم قال تعالى: { أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت } قال مقاتل وغيره: نمسخهم قردة كما فعلنا ذلك بأوائلهم . وقال أكثر المحققين: الأظهر حمل الآية على اللعن المتعارف ، ألا ترى الى قوله تعالى: { قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير } [ المائدة: 60 ] ففصل تعالى ههنا بين اللعن وبين مسخهم قردة وخنازير ، وههنا سؤالات:
السؤال الأول: الى من يرجع الضمير في قوله: { أَوْ نَلْعَنَهُمْ } .
الجواب: الى الوجوه إن أريد الوجهاء أو لأصحاب الوجوه ، لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم ، أو يرجع الى الذين أوتوا على طريقة الالتفات .
السؤال الثاني: قد كان اللعن والطمس حاصلين قبل الوعيد على الفعل فلا بد وأن يتحدا .
والجواب: أن لعنه تعالى لهم من بعد هذا الوعيد يكون أزيد تأثيرا في الخزي فيصح ذلك فيه .
السؤال الثالث: قوله تعالى: { يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب } خطاب مشافهة ، وقوله: { أَوْ نَلْعَنَهُمْ } خطاب مغايبة ، فكيف يليق أحدهما بالآخر؟
الجواب: منهم من حمل ذلك على طريقة الالتفات كما في قوله تعالى: { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم } [ يونس: 22 ] ومنهم من قال: هذا تنبيه على أن التهديد حاصل في غيرهم ممن يكذبون من أبناء جنسهم . وعندي فيه احتمال آخر: وهو أن اللعن هو الطرد والابعاد ، وذكر البعيد لا يكون إلا بالمغايبة ، فلما لعنهم ذكرهم بعبارة الغيبة .
ثم قال تعالى: { وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولًا } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: قال ابن عباس: يريد لا راد لحكمه ولا ناقض لأمره ، على معنى أنه لا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله ، كما تقول في الشيء الذي لا شك في حصوله: هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد . وإنما قال: { وَكَانَ } إخبارًا عن جريان عادة الله في الأنبياء المتقدمين أنه مهما أخبرهم بانزال العذاب عليهم فعل ذلك لا محالة ، فكأنه قيل لهم: أنتم تعلمون أنه كان تهديد الله في الأمم السالفة واقعا لا محالة ، فاحترزوا الآن وكونوا على حذر من هذا الوعيد ، والله أعلم .
المسألة الثانية: احتج الجبائي بهذه الآية على أن كلام الله محدث فقال: قوله: { وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولًا } يقتضي أن أمره مفعول ، والمخلوق والمصنوع والمفعول واحد ، فدل هذا على أن أمر الله مخلوق مصنوع ، وهذا في غاية السقوط لأن الأمر في اللغة جاء بمعنى الشأن والطريقة والفعل قال تعالى: { وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } [ هود: 97 ] والمراد ههنا ذاك .