فان قيل: كيف جاؤا بالقول المحتمل للوجهين بعدما حرفوا ، وقالوا سمعنا وعصينا؟
والجواب من وجهين: الأول: أنا حكينا عن بعض المفسرين أنه قال: إنهم ما كانوا يظهرون قولهم: { وَعَصَيْنَا } بل كانوا يقولونه في أنفسهم . والثاني: هب أنهم أظهروا ذلك إلا أن جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ، ولا يواجهونه بالسب والشتم .
ثم قال تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا واسمع وانظرنا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ } والمعنى أنهم لو قالوا بدل قولهم: سمعنا وعصينا ، سمعنا وأطعنا لعلمهم بصدقك ولإظهارك الدلائل والبينات مرات بعد مرات ، وبدل قولهم: { واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ } قولهم واسمع ، وبدل قولهم: { راعنا } قولهم: { انظرنا } أي اسمع منا ما نقول ، وانظرنا حتى نتفهم عنك لكان خيرا لهم عند الله وأقوم ، أي أعدل وأصوب ، ومنه يقال: رمح قويم أي مستقيم؛ وقومت الشيء من عوج فتقوم .
ثم قال: { وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ } والمراد أنه تعالى إنما لعنهم بسبب كفرهم .
ثم قال: { فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا } وفيه قولان: أحدهما: أن القليل صفة للقوم ، والمعنى فلا يؤمن منهم إلا أقوام قليلون . ثم منهم من قال: كان ذلك القليل عبدالله بن سلام وأصحابه ، وقيل: هم الذين علم الله منهم أنهم يؤمنون بعد ذلك .
والقول الثاني: أن القليل صفة للإيمان ، والتقدير فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا ، فإنهم كانوا يؤمنون بالله والتوراة وموسى ولكنهم كانوا يكفرون بسائر الأنبياء ، ورجح أبو علي الفارسي هذا القول على الأول ، قال: لأن «قليلا» لفظ مفرد ، ولو أريد به ناس لجمع نحو قوله: { إِنَّ هؤلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ } [ الشعراء: 54 ] ويمكن أن يجاب عنه بأنه قد جاء فعيل مفردا ، والمراد به الجمع قال تعالى: { وَحَسُنَ أولئك رَفِيقًا } [ النساء: 69 ] وقال: { وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا يُبَصَّرُونَهُمْ } [ المعارج: 10 ، 11 ] فدل عود الذكر مجموعا إلى القبيلين على أنه أريد بهما الكثرة .