فهرس الكتاب

الصفحة 2222 من 8321

النوع الثاني: من ضلالاتهم: ما ذكره الله تعالى بقوله: { وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } وفيه وجهان: الأول: أن النبي عليه السلام كان إذا أمرهم بشيء قالوا في الظاهر: سمعنا ، وقالوا في أنفسهم: وعصينا والثاني: أنهم كانوا يظهرون قولهم: سمعنا وعصينا ، إظهارًا للمخالفة ، واستحقارًا للأمر .

النوع الثالث: من ضلالتهم قوله: { واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ } .

واعلم أن هذه الكلمة ذو وجهين يحتمل المدح والتعظيم ، ويحتمل الاهانة والشتم . أما أنه يحتمل المدح فهو أن يكون المراد اسمع غير مسمع مكروها ، وأما أنه محتمل للشتم والذم فذاك من وجوه: الأول: أنهم كانوا يقولون للنبي A: اسمع ، ويقولون في أنفسهم: لا سمعت ، فقوله: { غَيْرَ مُسْمَعٍ } معناه: غير سامع ، فإن السامع مسمع ، والمسمع سامع . الثاني: غير مسمع ، أي غير مقبول منك ، ولا تجاب إلى ما تدعو اليه ، ومعناه غير مسمع جوابا يوافقك ، فكأنك ما أسمعت شيئا . الثالث: اسمع غير مسمع كلاما ترضاه ، ومتى كان كذلك فإن الإنسان لا يسمعه لنبو سمعه عنه ، فثبت بما ذكرنا أن هذه الكلمة محتملة للذم والمدح ، فكانوا يذكرونها لغرض الشتم .

النوع الرابع: من ضلالاتهم قولهم: { وراعنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِى الدين } أما تفسير { راعنا } فقد ذكرناه في سورة البقرة وفيه وجوه: الأول: أن هذه كلمة كانت تجري بينهم على جهة الهزء والسخرية ، فلذلك نهى المسلمون أن يتلفظوا بها في حضرة الرسول A . الثاني: قوله: { راعنا } معناه ارعنا سمعك ، أي اصرف سمعك إلى كلامنا وأنصت لحديثنا وتفهم ، وهذا مما لا يخاطب به الأنبياء عليهم السلام ، بل إنما يخاطبون بالإجلال والتعظيم . الثالث: كانوا يقولون راعنا ويوهمونه في ظاهر الأمر أنهم يريدون أرعنا سمعك ، وكانوا يريدون سبه بالرعونة في لغتهم . الرابع: أنهم كانوا يلوون ألسنتهم حتى يصير قولهم: { راعنا } راعينا ، وكانوا يريدون أنك كنت ترعى أغناما لنا ، وقوله: { لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ } قال الواحدي: أصل ( ليًا ) لويا ، لأنه من لويت ، ولكن الواو أدغمت في الياء لسبقها بالسكون ، ومثله الطي وفي تفسيره وجوه: الأول: قال الفراء كانوا يقولون: راعنا ويريدون به الشتم ، فذاك هو اللي ، وكذلك قولهم: { غير مسمع } وأرادوا به لا سمعت ، فهذا هو اللي . الثاني: انهم كانوا يصلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير على سبيل النفاق . الثالث: لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام على سبيل السخرية ، كما جرت عادة من يهزأ بإنسان بمثل هذا الأفعال ، ثم بين تعالى أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء لطعنهم في الدين ، لأنهم كانوا يقولون لأصحابهم: إنما نشتمه ولا يعرف ، ولو كان نبيا لعرف ذلك ، فأظهر الله تعالى ذلك فعرفه خبث ضمائرهم ، فانقلب ما فعلوه طعنا في نبوته دلالة قاطعة على نبوته ، لأن الإخبار عن الغيب معجز .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت