فإن قيل: كيف أمر بالإستغفار مطلقًا ، وربما كان فيهم من لم يذنب فحينئذ لا يحتاج إلى الاستغفار .
والجواب: أنه إن كان مذنبًا فالإستغفار واجب ، وإن لم يذنب إلا أنه يجوز من نفسه أنه قد صدر عنه تقصير في أداء الواجبات ، والاحتراز عن المحظورات ، وجب عليه الإستغفار أيضًا تداركًا لذلك الخلل المجوز ، وإن قطع بأنه لم يصدر عنه ألبتة خلل في شيء من الطاعات ، فهذا كالممتنع في حق البشر ، فمن أين يمكنه هذا القطع في عمل واحد ، فكيف في أعمال كل العمر ، إلا أن بتقدير إمكانه فالإستغفار أيضًا واجب ، وذلك لأن طاعة المخلوق لا تليق بحضرة الخالق ، ولهذا قالت الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ، فكان الإستغفار لازمًا من هذه الجهة ، ولهذا قال E: « إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة »
وأما قوله تعالى: { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } قد علمت أن غفورًا يفيد المبالغة ، وكذا الرحيم ، ثم في الآية مسألتان:
المسألة الأولى: هذه الآية تدل على أنه تعالى يقبل التوبة من التائب ، لأنه تعالى لما أمر المذنب بالإستغفار ، ثم وصف نفسه بأنه كثير الغفران كثير الرحمة ، فهذا يدل قطعًا على أنه تعالى يغفر لذلك المستغفر ، ويرحم ذلك الذي تمسك بحبل رحمته وكرمه .
المسألة الثانية: اختلف أهل العلم في المغفرة الموعودة في هذه الآية فقال قائلون: إنها عند الدفع من عرفات إلى الجمع ، وقال آخرون: إنها عند الدفع من الجمع إلى منى ، وهذا الاختلاف مفرع على ما ذكرنا أن قوله: { ثُمَّ أَفِيضُواْ } على أي الأمرين يحمل؟ قال القفال C: ويتأكد القول الثاني بما روى نافع عن ابن عمر ، قال: خطبنا رسول الله A عشية يوم عرفة فقال: « يا أيها الناس إن الله D يطلع عليكم في مقامكم هذا ، فقبل من محسنكم ووهب مسيئكم لمحسنكم ، والتبعات عوضها من عنده أفيضوا على اسم الله » فقال أصحابه: يا رسول الله أفضت بنا بالأمس كئيبًا حزينًا وأفضت بنا اليوم فرحًا مسرورًا ، فقال E: « إني سألت ربي D بالأمس شيئًا لم يجد لي به: سألته التبعات فأبى علي به فلما كان اليوم أتاني جبريل عليه السلام فقال: إن ربك يقرئك السلام ويقول لك: التبعات ضمنت عوضها من عندي » اللهم اجعلنا من أهله بفضلك يا أكرم الأكرمين .