أما الإشكال على القول الأول: فهو أن قوله تعالى: { ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس } يقتضي ظاهره أن هذه الإفاضة غير ما دل عليه قوله: { فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات } [ البقرة: 198 ] لمكان { ثُمَّ } فإنها توجب الترتيب ، ولو كان المراد من هذه الآية: الإفاضة من عرفات ، مع أنه معطوف على قوله { فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات } كان هذا عطفًا للشيء على نفسه وأنه غير جائز ولأنه يصير تقدير الآية: فإذا أفضتم من عرفات ، ثم أفيضوا من عرفات وإنه غير جائز .
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: هذه الآية متقدمة على ما قبلها ، والتقدير: فاتقون يا أولي الألباب ، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ، ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم ، فإذا أفضتم من عرفات فذكروا الله ، وعلى هذا التريتب يصح في هذه الإفاضة أن تكون تلك بعينها .
قلنا: هذا وإن كان محتملًا إلا أن الأصل عدمه ، وإذا أمكن حمل الكلام على القول الثاني من غير التزام إلى ما ذكرتم فأي حاجة بنا إلى التزامه .
وأما الإشكال على القول الثاني: فهو أن القول لا يتمشى إلا إذا حملنا لفظ { من حيث } في قوله: { مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس } على الزمان ، وذلك غير جائز ، فإنه مختص بالمكان لا بالزمان .
أجاب القائلون بالقول الأول: عن ذلك السؤال بأن { ثُمَّ } ههنا على مثال ما في قوله تعالى: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا العقبة فَكُّ رَقَبَةٍ } [ البلد: 12 ، 13 ] إلى قوله: { ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ } [ البلد: 17 ] أي كان مع هذا من المؤمنين ، ويقول الرجل لغيره: قد أعطيتك اليوم كذا وكذا ، ثم أعطيتك أمس كذا فإن فائدة كلمة { ثُمَّ } ههنا تأخر أحد الخبرين عن الآخر ، لا تأخر هذا المخبر عنه عن ذلك المخبر عنه .
وأجاب القائلون بالقول الثاني: بأن التوقيت بالزمان والمكان يتشابهان جدًا فلا يبعد جعل اللفظ المستعمل في أحدهما مستعملًا في الآخر على سبيل المجاز .
أما قوله: { مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس } فقد ذكرنا أن المراد من { الناس } إما الواقفون بعرفات وإما إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام وأتباعهما ، وفيه قول ثالث وهو قول الزهري . أن المراد بالناس في هذه الآية: آدم عليه السلام ، واحتج بقراءة سعيد بن جبير { ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس } وقال: هو آدم نسي ما عهد إليه ، ويروى أنه قرأ { الناس } بكسر السين اكتفاء بالكسرة عن الياء ، والمعنى: أن الإفاضة مع عرفات شرع قديم فلا تتركوه .
أما قوله تعالى: { واستغفروا الله } فالمراد منه الاستغفار باللسان مع التوبة بالقلب ، وهو أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ويعزم على أن لا يقصر فيما بعد ، ويكون غرضه في ذلك تحصيل مرضات الله تعالى لا لمنافعه العاجلة كما أن ذكر الشهادتين لا ينفع إلا والقلب حاضر مستقر على معناهما ، وأما الإستغفار باللسان من غير حصول التوبة بالقلب فهو إلى الضرر أقرب .