فهرس الكتاب

الصفحة 3842 من 8321

الجواب: الأخبار دالة على أن قائل هذا القول هو جبريل ، وإنما ذكر قوله: { وَكُنتَ مِنَ المفسدين } في مقابلة قوله: { وَأَنَاْ مِنَ المسلمين } ومن الناس من قال: إن قائل هذا القول هو الله تعالى ، لأنه ذكر بعده { فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ } إلى قوله: { إن كثيرًا من الناس عن آياتنا لغافلون } وهذا الكلام ليس إلا كلام الله تعالى .

السؤال الثاني: ظاهر اللفظ يدل على أنه إنما لم تقبل توبته للمعصية المتقدمة والفساد السابق ، وصحة هذا التعليل لا تمنع من قبول التوبة .

والجواب: مذهب أصحابنا أن قبول التوبة غير واجب عقلًا ، وأحد دلائلهم على صحة ذلك هذه الآية . وأيضًا فالتعليل ما وقع بمجرد المعصية السابقة ، بل بتلك المعصية مع كونه من المفسدين .

السؤال الثالث: هل يصح أن جبريل عليه السلام أخذ يملأ فمه من الطين لئلا يتوب غضبًا عليه .

والجواب: الأقرب أنه لا يصح ، لأن في تلك الحالة إما أن يقال التكليف كان ثابتًا أو ما كان ثابتًا ، فإن كان ثابتًا لم يجز على جبريل عليه السلام أن يمنعه من التوبة ، بل يجب عليه أن يعينه على التوبة وعلى كل طاعة ، لقوله تعالى: { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان } [ المائدة: 2 ] وأيضًا فلو منعه بما ذكروه لكانت التوبة ممكنة ، لأن الأخرس قد يتوب بأن يندم بقلبه ويعزم على ترك معاودة القبيح ، وحينئذ لا يبقى لما فعله جبريل عليه السلام فائدة ، وأيضًا لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر ، والرضا بالكفر كفر ، وأيضًا فكيف يليق بالله تعالى أن يقول لموسى وهارون عليهما السلام: { فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } [ طه: 44 ] ثم يأمر جبريل عليه السلام بأن يمنعه من الإيمان ، ولو قيل: إن جبريل عليه السلام إنما فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله تعالى ، فهذا يبطله قول جبريل { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } [ مريم: 64 ] وقوله تعالى في صفتهم: { وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } [ الأنبياء: 28 ] وقوله: { لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } [ الأنبياء: 27 ] وأما إن قيل: إن التكليف كان زائلًا عن فرعون في ذلك الوقت ، فحينئذ لا يبقى لهذا الفعل الذي نسب جبريل إليه فائدة أصلًا .

ثم قال تعالى: { فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ } وفيه وجوه: الأول: { نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ } أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع . الثاني: نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ، ولكن بعد أن تغرق . وقوله: { بِبَدَنِكَ } في موضع الحال ، أي في الحال التي أنت فيه حينئذ لا روح فيك . الثالث: أن هذا وعد له بالنجاة على سبيل التهكم ، كما في قوله: { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت