فهرس الكتاب

الصفحة 3841 من 8321

الوجه الثالث: هو أن ذلك الإقرار كان مبنيًا على محض التقليد ، ألا ترى أنه قال: { لا إله إِلاَّ الذى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إسراءيل } فكأنه اعترف بأنه لا يعرف الله ، إلا أنه سمع من بني إسرائيل أن للعالم إلهًا ، فهو أقر بذلك الإله الذي سمع من بني إسرائيل أنهم أقروا بوجوده ، فكان هذا محض التقليد ، فلهذا السبب لم تصر الكلمة مقبولة منه ، ومزيد التحقيق فيه أن فرعون على ما بيناه في سورة طه كان من الدهرية ، وكان من المنكرين لوجود الصانع تعالى ، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته ، إلا بنور الحجج القطعية ، والدلائل اليقينية ، وأما بالتقليد المحض فهو لا يفيد ، لأنه يكون ضمًا لظلمة التقليد إلى ظلمة الجهل السابق .

الوجه الرابع: رأيت في بعض الكتب أن بعض أقوام من بني إسرائيل لما جاوزوا البحر اشتغلوا بعبادة العجل ، فلما قال فرعون { آمنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذى آمنتْ بِهِ بَنواْ إسراءيل } انصرف ذلك إلى العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت ، فكانت هذه الكلمة في حقه سببًا لزيادة الكفر .

الوجه الخامس: أن اليهود كانت قلوبهم مائلة إلى التشبيه والتجسيم ولهذا السبب اشتغلوا بعبادة العجل لظنهم أنه تعالى حل في جسد ذلك العجل ونزل فيه ، فلما كان الأمر كذلك وقال فرعون { آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل } فكإنه آمن بالإله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول ، وكل من اعتقد ذلك كان كافرًا فلهذا السبب ما صح إيمان فرعون .

الوجه السادس: لعل الإيمان إنما كان يتم بالإقرار بوحدانية الله تعالى ، والإقرار بنبوة موسى عليه السلام . فههنا لما أقر فرعون بالوحدانية ولم يقر بالنبوة لا جرم لم يصح إيمانه . ونظيره أن الواحد من الكفار لو قال ألف مرة أشهد أن لا إله إلا الله فإنه لا يصح إيمان إلا إذا قال معه وأشهد أن محمدًا رسول الله ، فكذا ههنا .

الوجه السابع: روى صاحب «الكشاف» أن جبريل عليه السلام أتى فرعون بفتيا فيها ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته ، فكفر نعمته وجحد حقه ، وادعى السيادة دونه ، فكتب فرعون فيها يقول أبو العباس الوليد بن مصعب جزاء العبد الخارج على سيده الكافر بنعمته أن يغرق في البحر ، ثم إن فرعون لما غرق رفع جبريل عليه السلام فتياه إليه .

أما قوله تعالى: { ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المفسدين } ففيه سؤالات:

السؤال الأول: من القائل له { ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت