السؤال الثالث: ما معنى قول الشيطان { لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس } وما الفائدة في هذا الكلام مع أنهم كانوا كثيرين غالبين؟
والجواب: أنهم وإن كانوا كثيرين في العدد إلا أنهم كانوا يشاهدون أن دولة محمد E كل يوم في الترقي والتزايد ، ولأن محمدًا كلما أخبر عن شيء فقد وقع فكانوا لهذا السبب خائفين جدًا من قوم محمد A ، فذكر إبليس هذا الكلام إزالة للخوف عن قلوبهم ، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان يؤمنهم من شر بني بكر بن كنانة خصوصًا وقد تصور بصورة زعيم منهم ، وقال: { إِنّى جَارٌ لَّكُمْ } والمعنى: إني إذا كنت وقومي ظهيرًا لكم فلا يغلبكم أحد من الناس ومعنى الجار ههنا: الدافع عن صاحبه أنواع الضرر كما يدفع الجار عن جاره ، والعرب تقول: أنا جار لك من فلان أي حافظ من مضرته فلا يصل إليك مكروه منه .
ثم قال تعالى: { فَلَمَّا تَرَاءتِ الفئتان } أي التقى الجمعان بحيث رأت كل واحدة الأخرى نكص على عقيبه ، والنكوص الأحجام عن الشيء ، والمعنى: رجع وقال: إني أرى مالا ترون ، وفيه وجوه: الأول: أنه روحاني ، فرأى الملائكة فخافهم . قيل: رأى جبريل يمشي بين يدي النبي E . وقيل: رأى ألفًا من الملائكة مردفين . الثاني: أنه رأى أثر النصرة والظفر في حق النبي E ، فعلم أنه لو وقف لنزلت عليه بلية .
ثم قال: { إِنّى أَخَافُ الله } قال قتادة صدق في قوله: { إِنّي أرى مَا لاَ تَرَوْنَ } وكذب في قوله: { إِنّى أَخَافُ الله } وقيل لما رأى الملائكة ينزلون من السماء خاف أن يكون الوقت الذي أنظر إليه قد حضر فقال: ما قال إشفاقًا على نفسه .
أما قوله: { والله شَدِيدُ العقاب } فيجوز أن يكون من بقية كلام إبليس ، ويجوز أن ينقطع كلامه عند قوله أخاف الله .
ثم قال تعالى بعده: { والله شَدِيدُ العقاب } .