فهرس الكتاب

الصفحة 1556 من 8321

المسألة الرابعة: قرىء { وَلاَ يسأموا أن يكتبوه } بالياء فيهما .

ثم قال تعالى: { ذلكم أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْوَمُ للشهادة وَأَدْنَى أَن لا تَرْتَابُواْ } اعلم أن الله تعالى بيّن أن الكتابة مشتملة على هذه الفوائد الثلاث:

الفائدة الأولى: قوله { ذلكم أَقْسَطُ عِندَ الله } وفي قوله { ذلكم } وجهان الأول: أنه إشارة إلى قوله { أَن تَكْتُبُوهُ } لأنه في معنى المصدر ، أي ذلك الكتب أقسط والثاني: قال القفال C: ذلاكم الذي أمرتكم به من الكتب والإشهاد لأهل الرضا ومعنى { أَقْسَطُ عِندَ الله } أعدل عند الله ، والقسط اسم ، والإقساط مصدر ، يقال: أقسط فلان في الحكم يقسط إقساطًا إذا عدل فهو مقسط ، قال تعالى: { إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين } [ الممتحنة: 8 ] [ الحجرات: 9 ] ويقال: هو قاسط إذا جار ، قال تعالى: { وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا } [ الجن: 15 ] وإنما كان هذا أعدل عند الله ، لأنه إذا كان مكتوبًا كان إلى اليقين والصدق أقرب ، وعن الجهل والكذب أبعد ، فكان أعدل عند الله وهو كقوله تعالى: { ادعوهم لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله } [ الأحزاب: 5 ] أي أعدل عند الله ، وأقرب إلى الحقيقة من أن تنسبوهم إلى غير آبائهم .

والفائدة الثانية: قوله { أَقْوَمُ للشهادة } معنى { أَقْوَمُ } أبلغ في الاستقامة ، التي هي ضد الاعوجاج ، وذلك لأن المنتصب القائم ، ضد المنحني المعوج .

فإن قيل: مم بنى أفعل التفضيل؟ أعني: أقسط وأقوم .

قلنا: يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام ، ويجوز أن يكون أقسط من قاسط ، وأقوم من قويم .

واعلم أن الكتابة إنما كانت أقوم للشهادة ، لأنها سبب للحفظ والذكر ، فكانت أقرب إلى الاستقامة ، والفرق بين الفائدة الأولى والثانية أن الأولى: تتعلق بتحصيل مرضاة الله تعالى ، والثانية: بتحصيل مصلحة الدنيا ، وإنما قدمت الأولى على الثانية إشعارًا بأن الدين يجب تقديمه على الدنيا .

والفائدة الثالثة: هي قوله { وَأَدْنَى أَن لا تَرْتَابُواْ } يعني أقرب إلى زوال الشك والارتياب عن قلوب المتداينين ، والفرق بين الوجهين الأولين ، وهذا الثالث الوجهين الأولين يشيران إلى تحصيل المصلحة ، فالأول: إشارة إلى تحصيل مصلحة الدين ، والثاني: إشارة إلى تحصيل مصلحة الدنيا وهذا الثالث: إشارة إلى دفع الضرر عن النفس وعن الغير ، أما عن النفس فإنه لا يبقى في الفكر أن هذا الأمر كيف كان ، وهذا الذي قلت هل كان صدقًا أو كذبًا ، وأما دفع الضرر عن الغير فلأن ذلك الغير ربما نسبه إلى الكذب والتقصير فيقع في عقاب الغيبة والبهتان ، فما أحسن هذه الفوائد وما أدخلها في القسط ، وما أحسن ما فيها من الترتيب .

ثم قال تعالى: { إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: { إِلا } فيه وجهان أحدهما: أنه استثناء متصل والثاني: أنه منقطع ، أما الأول ففيه وجهان الأول: أنه راجع إلى قوله تعالى: { إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فاكتبوه } وذلك لأن البيع بالدين قد يكون إلى أجل قريب ، وقد يكون إلى أجل بعيد ، فلما أمر بالكتبة عند المداينة ، استثنى عنها ما إذا كان الأجل قريبًا ، والتقدير: إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلا أن يكون الأجل قريبًا ، وهو المراد من التجارة الحاضرة والثاني: أن هذا استثناء من قوله { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا } وأما الاحتمال الثاني ، وهو أن يكون هذا استثناءً منقطعًا فالتقدير: لكنه إذا كانت التجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها ، فهذا يكون كلامًا مستأنفًا ، وإنما رخص تعالى في ترك الكتبة والإشهاد في هذا النوع من التجارة ، لكثرة ما يجري بين الناس ، فلو تكلف فيها الكتبة والإشهاد لشق الأمر على الخلق ، ولأنه إذا أخذ كل واحد من المتعاملين حقه من صاحبه في ذلك المجلس ، لم يكن هناك خوف التجاحد ، فلم يكن هناك حاجة إلى الكتبة والإشهاد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت