قلنا: الدليل الذي ذكرناه صار متروكًا بالضرورة في هذه الآية فلا يجوز أن نتركه لعلة ضرورة في تلك الآية والثاني: أن ظاهر قوله { وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ } النهي عن الامتناع ، والأمر بالفعل ، وذلك للوجوب في حق الكل ، ومعلوم أن التحمل غير واجب على الكل ، فلم يجز حمله عليه ، وأما الأداء بعد التحمل فإنه واجب على الكل ، ومتأكد بقوله تعالى: { وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة } فكان هذا أولى الثالث: أن الأمر بالإشهاد يفيد أمر الشاهد بالتحمل من بعض الوجوه ، فصار الأمر بتحمل الشهادة داخلًا في قوله { واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ } فكان صرف قوله { وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ } إلى الأمر بالأداء حملًا له على فائدة جديدة ، فكان ذلك أولى ، فقد ظهر بما ذكرنا دلالة الآية على أنه يجب على الشاهد أن لا يمتنع من إقامة الشهادة إذا دعي إليها .
واعلم أن الشاهد إما أن يكون متعينًا ، وإما أن يكون فيهم كثرة ، فإن كان متعينًا وجب عليه أداء الشهادة ، وإن كان فيهم كثرة صار ذلك فرضًا على الكفاية .
المسألة الثانية: قد شرحنا دلالة هذه الآية على أن العبد لا يجوز أن يكون شاهدًا فلا نعيده الثالثة: قال الشافعي Bه: يجوز القضاء بالشاهد واليمين ، وقال أبو حنيفة Bه: لا يجوز ، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية فقال: إن الله تعالى أوجب عند عدم شهادة رجلين شهادة الرجل والمرأتين على التعيين ، فلو جوزنا الاكتفاء بالشاهد واليمين لبطل ذلك التعيين ، وحجة الشافعي Bه أنه A قضى بالشاهد واليمين ، وتمام الكلام فيه مذكور في خلافيات الفقه .
واعلم أنه تعالى لما أمر عند المداينة بالكتبة أولًا ، ثم بالإشهاد ثانيًا ، أعاد ذلك مرة أخرى على سبيل التأكيد ، فأمر بالكتبة ، فقال: { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجله } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: السآمة الملال والضجر ، يقال: سئمت الشيء سأمًا وسآمة ، والمقصود من الآية البعث على الكتابة قل المال أو كثر ، فإن القليل من المال في هذا الاحتياط كالكثير ، فإن النزاع الحاصل بسبب القليل من المال ربما أدى إلى فساد عظيم ولجاج شديد ، فأمر تعالى في الكثير والقليل بالكتابة ، فقال: { وَلاَ تسأموا } أي ولا تملوا فتتركوا ثم تندموا .
فإن قيل: فهل تدخل الحبة والقيراط في هذا الأمر؟ .
قلنا: لا لأن هذا محمول على العادة ، وليس في العادة أن يكتبوا التافه .
المسألة الثانية: { أن } في محل النصب لوجهين: إن شئت جعلته مع الفعل مصدرًا فتقديره: ولا تسأموا كتابته ، وإن شئت بنزع الخافض تقديره: ولا تسأموا من أن تكتبوه إلى أجله .
المسألة الثالثة: الضمير في قوله { أَن تَكْتُبُوهُ } لا بد وأن يعود إلى المذكورر سابقًا ، وهو هاهنا إما الدين وإما الحق .