فهرس الكتاب

الصفحة 6442 من 8321

الصفة الثالثة: أن يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش ، عن ابن عباس: كبير الإثم ، هو الشرك ، نقله صاحب «الكشاف» : وهو عندي بعيد ، لأن شرط الإيمان مذكور أولًا وهو يغني عن عدم الشرك ، وقيل المراد بكبائر الإثم ما يتعلق بالبدع واستخراج الشبهات ، وبالفواحش ما يتعلق بالقوة الشهوانية ، وبقوله { وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ } ما يتعلق بالقوة الغضبية ، وإنما خص الغضب بلفظ الغفران ، لأن الغضب على طبع النار ، واستيلاؤه شديد ومقاومته صعبة ، فلهذا السبب خصّه بهذا اللفظ ، والله أعلم .

الصفة الرابعة: قوله تعالى: { والذين استجابوا لِرَبّهِمْ } والمراد منه تمام الانقياد ، فإن قالوا أليس أنه لما جعل الإيمان شرطًا فيه فقد دخل في الإيمان إجابة الله؟ قلنا الأقرب عندي أن يحمل هذا على الرضاء بقضاء الله من صميم القلب ، وأن لا يكون في قلبه منازعة في أمر من الأمور . ولما ذكر هذا الشرط قال: { وأقاموا الصلاةَ } والمراد منه إقامة الصلوات الواجبة ، لأن هذا هو الشرط في حصول الثواب .

وأما قوله تعالى: { وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ } فقيل كان إذا وقعت بينهم واقعة اجتمعوا وتشاوروا فأثنى الله عليهم ، أي لا ينفردون برأي بل ما لم يجتمعوا عليه لا يقدمون عليه ، وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم ، والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور ، ومعنى قوله { وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ } أي ذو شورى .

الصفة الخامسة: قوله تعالى: { والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ } والمعنى أن يقتصروا في الانتصار على ما يجعله الله لهم ولا يتعدونه ، وعن النخعي أنه كان إذا قرأها قال كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم السفهاء ، فإن قيل هذه الآية مشكلة لوجهين الأول: أنه لما ذكر قبله { وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ } فكيف يليق أن يذكر معه ما يجري مجرى الضد له وهو قوله { والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ } ؟ الثاني: وهو أن جميع الآيات دالة على أن العفو أحسن قال تعالى: { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى } [ البقرة: 237 ] وقال: { وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِرامًا } [ الفرقان: 72 ] وقال: { خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين } [ الأعراف: 199 ] وقال { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصابرين } [ النحل: 126 ] فهذه الآيات تناقض مدلول هذه الآية والجواب: أن العفو على قسمين أحدهما: أن يكون العفو سببًا لتسكين الفتنة وجناية الجاني ورجوعه عن جنايته والثاني: أن يصير العفو سببًا لمزيد جراءة الجاني ولقوة غيظه وغضبه ، والآيات في العفو محمولة على القسم الأول ، وهذه الآية محمولة على القسم الثاني ، وحينئذ يزول التناقض والله أعلم ، ألا ترى أن العفو عن المصر يكون كالإغراء له ولغيره ، فلو أن رجلًا وجد عبده فجر بجاريته وهو مصر فلو عفا عنه كان مذمومًا ، وروي أن زينب أقبلت على عائشة فشتمتها فنهاها النبي A عنها فلم تنته فقال النبي A:"دونك فانتصري"وأيضًا إنه تعالى لم يرغب في الانتصار بل بيّن أنه مشروع فقط ، ثم بيّن بعده أن شرعه مشروط برعاية المماثلة ، ثم بيّن أن العفو أولى بقوله { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله } فزال السؤال ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت