فهرس الكتاب

الصفحة 6441 من 8321

ثم قال تعالى: { أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا } يعني أو يهلكهن ، يقال أوبقه ، أي أهلكه ، ويقال للمجرم أوبقته ذنوبه ، أي أهلكته ، والمعنى أنه تعالى إن شاء ابتلى المسافرين في البحر بإحدى بليتين: إما أن يسكن الريح فتركد الجواري على متن البحر وتقف ، وإما أن يرسل الرياح عاصفة فيها فيهلكن بسبب الإغراق ، وعلى هذا التقدير فقوله { أَوْ يُوبِقْهُنَّ } معطوف على قوله { يُسْكِنِ } لأن التقدير إن يشأ يسكن الريح فيركدن ، أو يعصفها فيغرقن بعصفها ، وقوله { وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ } معناه إن يشأ يهلك ناسًا وينج ناسًا عن طريق العفو عنهم ، فإن قيل فما معنى إدخال العفو في حكم الإيباق حيث جعل مجزومًا مثله ، قلنا معناه إن يشأ يهلك ناسًا وينج ناسًا على طريق العفو عنهم ، وأما من قرأ { ويعفو } فقد استأنف الكلام .

ثم قال: { وَيَعْلَمَ الذين يجادلون فِى ءاياتنا مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ } قرأ نافع وابن عامر: يعلم بالرفع على الاستئناف ، وقرأ الباقون بالنصب ، فالقراءة بالرفع على الاستئناف ، وأما بالنصب فللعطف على تعليل محذوف تقديره لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون في آياتنا والعطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن ومنه قوله تعالى: { وَلِنَجْعَلَهُ ءايَةً لّلْنَّاسِ } [ مريم: 21 ] وقوله تعالى: { وَخَلَقَ السموات والأرض بالحق ولتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } [ الجاثية: 22 ] قال صاحب «الكشاف» : ومن قرأ على جزم { وَيَعْلَمَ } فكأنه قال أو إن يشأ ، يجمع بين ثلاثة أمور: هلاك قوم ، ونجاة قوم ، وتحذير آخرين . إذا عرفت هذا فنقول معنى الآية { وِيَعْلَمَ الذين يجادلون } أي ينازعون على وجه التكذيب ، أن لا مخلص لهم إذا وقفت السفن ، وإذا عصفت الرياح فيصير ذلك سببًا لاعترافهم بأن الإله النافع الضار ليس إلا الله .

واعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل التوحيد أردفها بالتفسير عن الدنيا وتحقير شأنها ، لأن الذي يمنع من قبول الدليل إنما هو الرغبة في الدنيا بسبب الرياسة وطلب الجاه ، فإذا صغرت الدنيا في عين الرجل لم يلتفت إليها ، فحينئذ ينتفع بذكر الدلائل ، فقال: { فَمَا أُوتِيتُمْ مّن شَىْء فمتاع الحياة الدنيا } وسماه متاعًا تنبيهًا على قلته وحقارته ، ولأن الحس شاهد بأن كل ما يتعلق بالدنيا فإنه يكون سريع الانقراض والانقضاء .

ثم قال تعالى: { وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وأبقى } والمعنى أن مطالب الدنيا خسيسة منقرضة ، ونبه على خساستها بتسميتها بالممتاع ، ونبّه على انقراضها بأن جعلها من الدنيا ، وأما الآخرة فإنها خير وأبقى ، وصريح العقل يقتضي ترجيح الخير الباقي على الخسيس الفاني ، ثم بيّن أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان موصوفًا بصفات:

الصفة الأولى: أن يكون من المؤمنين بدليل قوله تعالى: { الذين آمَنُوا } .

الصفة الثانية: أن يكون من المتوكلين على فضل الله ، بدليل قوله تعالى: { وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } فأما من زعم أن الطاعة توجب الثواب ، فهو متكل على عمل نفسه لا على الله ، فلا يدخل تحت الآية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت