المسألة الأولى: في قوله: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } سؤال: وهو أن الله تعالى يسمى بالنفس قال: { تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } [ المائدة: 116 ] وأيضًا النفس والذات واحد فعلى هذا يدخل الجمادات تحت اسم النفس ، ويلزم على هذا عموم الموت في الجمادات ، وأيضًا قال تعالى: { فَصَعِقَ مَن فِى السموات وَمَن فِى الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله } [ الزمر: 68 ] وذلك يقتضي أن لا يموت الداخلون في هذا الاستثناء ، وهذا العموم يقتضي موت الكل ، وأيضًا يقتضي وقوع الموت لأهل الجنة ولأهل النار لأن كلهم نفوس .
وجوابه: أن المراد بالآية المكلفون الحاضرون في دار التكليف بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية: { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ } فان هذا المعنى لا يتأتى إلا فيهم ، وأيضا العام بعد التخصيص يبقى حجة .
المسألة الثانية: { ذَائِقَةُ } فاعلة من الذوق ، واسم الفاعل إذا أضيف إلى اسم وأريد به الماضي لم يجز فيه إلا الجر ، كقولك: زيد ضارب عمرو أمس ، فان أردت به الحال والاستقبال جاز الجر والنصب تقول: هو ضارب زيد غدا ، وضارب زيدا غدا ، قال تعالى: { هَلْ هُنَّ كاشفات ضُرّهِ } [ الزمر: 38 ] قرىء بالوجهين لأنه للاستقبال . وروي عن الحسن أنه قرأ { ذَائِقَةُ الموت } بالتنوين ونصب «الموت» وهذا هو الأصل وقرأ الأعمش { ذَائِقَةُ الموت } بطرح التنوين مع النصب كقوله:
ولا ذاكر الله إلا قليلا ... وتمام الكلام في هذه المسألة يأتي في سورة النساء عند قوله: { ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } [ النساء: 97 ] ان شاء الله تعالى .
المسألة الثالثة: زعمت الفلاسفة ان الموت واجب الحصول عند هذه الحياة الجسمانية ، وذلك لأن هذه الحياة الجسمانية لا تحصل إلا بالرطوبة الغريزية والحرارة الغريزية ، ثم ان الحرارة الغريزية تؤثر في تحليل الرطوبة الغريزية ، ولا تزال تستمر هذه الحالة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفىء الحرارة الغريزية ويحصل الموت ، فبهذا الطريق كان الموت ضروريا في هذه الحياة . قالوا وقوله: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } يدل على أن النفوس لا تموت بموت البدن ، لأنه جعل النفس ذائقة الموت ، والذائق لا بد وأن يكون باقيا حال حصول الذوق ، والمعنى أن كل نفس ذائقة موت البدن ، وهذا يدل على أن النفس غير البدن ، وعلى أن النفس لا تموت بموت البدن ، وأيضا: لفظ النفس مختص بالأجسام ، وفيه تنبيه على أن ضرورة الموت مختصة بالحياة الجسمانية ، فأما الأرواح المجردة فلا ، وقد جاء في الروايات ما هو خلاف ذلك ، فانه روي عن ابن عباس أنه قال: لما نزل قوله تعالى: