{ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } [ الرحمن: 26 ] قالت الملائكة مات أهل الأرض ، ولما نزل قوله تعالى: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } قالت الملائكة متنا .
المسألة الرابعة: قوله تعالى: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } يدل على أن المقتول يسمى بالميت وإنما لا يسمى المذكى بالميت بسبب التخصيص بالعرف .
ثم قال تعالى: { وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة } بين تعالى أن تمام الأجر والثواب لا يصل الى المكلف إلا يوم القيامة ، لأن كل منفعة تصل الى المكلف في الدنيا فهي مكدرة بالغموم والهموم وبخوف الانقطاع والزوال ، والأجر التام والثواب الكامل إنما يصل الى المكلف يوم القيامة لأن هناك يحصل السرور بلا غم ، والأمن بلا خوف ، واللذة بلا ألم . والسعادة بلا خوف الانقطاع ، وكذا القول في جانب العقاب فانه لا يحصل في الدنيا ألم خالص عن شوائب اللذة ، بل يمتزج به راحات وتخفيفات ، وإنما الألم التام الخالص الباقي هو الذي يكون يوم القيامة ، نعوذ بالله منه .
ثم قال تعالى: { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ } الزحزحة التنحية والابعاد ، وهو تكرير الزح ، والزح هو الجذب بعجلة ، وهذا تنبيه على أن الانسان حينما كان في الدنيا كأنه كان في النار ، وما ذاك إلا لكثرة آفاتها وشدة بلياتها ، ولهذا قال E: « الدنيا سجن المؤمن » .
واعلم أنه لا مقصود للانسان وراء هذين الأمرين ، الخلاص عن العذاب ، والوصول الى الثواب ، فبين تعالى أن من وصل الى هذين المطلوبين فقد فاز بالمقصد الأقصى والغاية التي لا مطلوب بعدها . وروي عن رسول الله A أنه قال: « موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها » وقرأ قوله تعالى: { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فاز } وقال E: « من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليؤت الى الناس ما يحب أن يؤتى اليه » .
ثم قال: { وَما الحياة الدنيا إِلاَّ متاع الغرور } الغرور مصدر من قولك: غررت فلانًا غرورًا شبه الله الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر عليه حتى يشتريه ثم يظهر له فساده ورداءته والشيطان هو المدلس الغرور ، وعن سعيد بن جبير: أن هذا في حق من آثر الدنيا على الآخرة ، وأما من طلب الآخرة بها فانها نعم المتاع ، والله أعلم .
واعلم أن فساد الدنيا من وجوه: أولها: أنه لو حصل للانسان جميع مراداته لكان غمه وهمه أزيد من سروره ، لأجل قصر وقته وقلة الوثوق به وعدم علمه بأنه هل ينتفع به أم لا ، وثانيها: أن الانسان كلما كان وجدانه بمرادات الدنيا أكثر كان حرصه في طلبها أكثر ، ولكما كان الحرص أكثر كان تألم القلب بسبب ذلك الحرص أشد ، فان الانسان يتوهم أنه إذا فاز بمقصوده سكنت نفسه وليس كذلك ، بل يزداد طلبه وحرصه ورغبته ، وثالثها: أن الانسان بقدر ما يجد من الدنيا يبقى محروما عن الآخرة التي هي أعظم السعادات والخيرات ، ومتى عرفت هذه الوجوه الثلاثة علمت أن الدنيا متاع الغرور ، وأنها كما وصفها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب Bه حيث قال: لين مسها قاتل سمها . وقال بعضهم: الدنيا ظاهرها مطية السرور ، وباطنها مطية الشرور .