ونظير هذه الآية قوله تعالى: { فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } [ العنكبوت: 65 ] .
ثم قال تعالى: لآليكفروا بما آتيناهم وفي هذه اللام وجهان: الأول: أنها لام كي والمعنى أنهم أشركوا بالله غيره في كشف ذلك الضر عنهم . وغرضهم من ذلك الإشراك أن ينكروا كون ذلك الإنعام من الله تعالى ، ألا نرى أن العليل إذا اشتد وجعه تضرع إلى الله تعالى في إزالة ذلك الوجع ، فإذا زال أحال زواله على الدواء الفلاني والعلاج الفلاني ، وهذا أكثر أحوال الخلق . وقال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي C: في اليوم الذي كنت أكتب هذه الأوراق وهو اليوم الأول من محرم سنة أثنتين وستمائة حصلت زلزلة شديدة ، وهذه عظيمة وقت الصبح ورأيت الناس يصيحون بالدعاء والتضرع ، فلما سكتت وطاب الهواء ، وحسن أنواع الوقت نسوا في الحال تلك الزلزلة وعادوا إلى ما كانوا عليه من تلك السفاهة والجهالة ، وكانت هذه الحالة التي شرحها الله تعالى في هذه الآية تجري مجرى الصفة اللازمة لجوهر نفس الإنسان .
والقول الثاني: أن هذه اللام لام العاقبة كقوله تعالى: { فاتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا } [ القصص: 8 ] يعني أن عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفر .
واعلم أن المراد بقوله: { بما آتيناهم } فيه قولان: الأول: أنه عبارة عن كشف الضر وإزالة المكروه . والثاني: قال بعضهم: المراد به القرآن وما جاء به محمد A من النبوة والشرائع .
واعلم أنه تعالى توعدهم بعد ذلك فقال: { فتمتعوا } وهذا لفظ أمر ، والمراد منه التهديد ، كقوله: { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } [ الكهف: 29 ] وقوله: { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا } [ الإسراء: 107 ] .
ثم قال تعالى: { فسوف تعلمون } أي عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب والله أعلم .