{ فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون } [ الحجر: 92 ، 93 ] وعلى التقديرين فأقسم الله تعالى بنفسه أنه يسألهم ، وهذا تهديد منه شديد ، لأن المراد أنه يسألهم سؤال توبيخ وتهديد ، وفي وقت هذا السؤال احتمالان: الأول: أنه يقع ذلك السؤال عند القرب من الموت ومعاينة ملائكة العذاب ، وقيل عند عذاب القبر . والثاني: أنه يقع ذلك في الآخرة ، وهذا أولى لأنه تعالى قد أخبر بما يجري هناك من ضروب التوبيخ عند المسألة فهو إلى الوعيد أقرب .
النوع الثاني: من كلماتهم الفاسدة أنهم يجعلون لله البنات ، ونظيره قوله تعالى: { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا } [ الزخرف: 19 ] كانت خزاعة وكنانة تقول: الملائكة بنات الله . أقول أظن أن العرب إنما أطلقوا لفظ البنات لأن الملائكة لما كانوا مستترين عن العيون أشبهوا النساء في الاستتار فأطلقوا عليهم لفظ البنات . وأيضًا قرص الشمس يجري مجرى المستتر عن العيون بسبب ضوئه الباهر ونوره القاهر فأطلقوا عليه لفظ التأنيث فهذا ما يغلب على الظن في سبب إقدامهم على هذا القول الفاسد والمذهب الباطل ، ولما حكى الله تعالى عنهم هذا القول قال { سبحانه } وفيه وجوه: الأول: أن يكون المراد تنزيه ذاته عن نسبة الولد إليه . والثاني: تعجيب الخلق من هذا الجهل القبيح ، وهو وصف الملائكة بالأنوثة ثم نسبتها بالولدية إلى الله تعالى . والثالث: قيل في التفسير معناه معاذ الله وذلك مقارب للوجه الأول .
ثم قال تعالى: { ولهم ما يشتهون } أجاز الفراء في « ما » وجهين: الأول: أن يكون في محل النصب على معنى ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون . والثاني: أن يكون رفعًا على الابتداء كأنه تم الكلام عند قوله: { سبحانه } ثم ابتدأ فقال: { ولهم ما يشتهون } يعني البنين وهوكقوله: { أم له البنات ولكم البنون } [ الطور: 39 ] ثم اختار الوجه الثاني وقال: لو كان نصيبًا لقال ولأنفسهم ما يشتهون ، لأنك تقول جعلت لنفسك كذا وكذا ، ولا تقول جعلت لك ، وأبى الزجاج إجازة الوجه الأول ، وقال « ما » في موضع رفع لا غير ، والتقدير: ولهم الشيء الذى يشتهونه ، ولا يجوز النصب لأن العرب تقول جعل لنفسه ما تشتهي ، ولا تقول جعل له ما يشتهي وهو يعني نفسه . ثم إنه تعالى ذكر أن الواحد من هؤلاء المشركين لا يرضى بالولد البنت لنفسه فما لا يرتضيه لنفسه كيف ينسبه لله تعالى فقال: { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: التبشير في عرف اللغة مختص بالخبر الذي يفيد السرور إلا أنه بحسب أصل اللغة عبارة عن الخبر الذي يؤثر في تغير بشرة الوجه ، ومعلوم أن السرور كما يوجب تغير البشرة فكذلك الحزن يوجبه . فوجب أن يكون لفظة التبشير حقيقة في القسمين ، ويتأكد هذا بقوله