فهرس الكتاب

الصفحة 4410 من 8321

{ فبشرهم بعذاب أليم } [ آل عمران: 21 ] ومنهم من قال: المراد بالتبشير ههنا الإخبار ، والقول الأول أدخل في التحقيق .

أما قوله: { ظل وجهه مسودًا } فالمعنى أنه يصير متغيرًا تغير مغتم ، ويقال لمن لقي مكروهًا قد اسود وجهه غمًا وحزنًا ، وأقول إنما جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم ، وذلك لأن الإنسان إذا قوي فرحه انشرح صدره وانبسط روح قلبه من داخل القلب ، ووصل إلى الأطراف ، ولا سيما إلى الوجه لما بينهما من التعلق الشديد ، وإذا وصل الروح إلى ظاهر الوجه أشرق الوجه وتلألأ واستنار ، وأما إذا قوي غم الإنسان احتقن الروح في باطن القلب ولم يبق منه أثر قوي في ظاهر الوجه ، فلا جرم يربد الوجه ويصفر ويسود ويظهر فيه أثر الأرضية والكثافة ، فثبت أن من لوازم الفرح استنارة الوجه وإشراقه ، ومن لوازم الغم كمودة الوجه وغبرته وسواده ، فلهذا السبب جعل بياض الوجه إشراقه كناية عن الفرح وغبرته وكمودته وسواده كناية عن الغم والحزن والكراهية ، ولهذا المعنى قال: { ظل وجهه مسودًا وهو كظيم } أي ممتلئ غمًا وحزنًا .

ثم قال تعالى: { يتوارى من القوم من سوء } أي يختفي ويتغيب من سوء ما بشر به ، قال المفسرون: كان الرجل في الجاهلية إذا ظهر آثار الطلق بامرأته توارى واختفى عنا لقوم إلى أن يعلم ما يولد له فإن كان ذكرًا ابتهج به ، وإن كان أنثى حزن ولم يظهر للناس أيامًا يدبر فيها أنه ماذا يصنع بها؟ وهو قوله: { أيمسكه على هون أم يدسه في التراب } والمعنى: أيحسبه؟ والإمساك ههنا بمعنى بمعنى الحبس كقوله: { أمسك عليك زوجك } [ الأحزاب: 37 ] وإنما قال: { أيمسكه } ذكره بضمير الذكران لأن هذا الضمير عائد على « ما » في قوله: { ما بشر به } والهون الهوان قال النضر بن شميل يقال إنه أهون عليه هونًا وهوانًا ، وأهنته هونًا وهوانًا ، وذكرنا هذا في سورة الأنعام عند قوله؛ { عذاب الهون } [ الأنعام: 93 ] وفي أن هذا الهون صفة من؟ قولان: الأول: أنه صفة المولودة ، ومعناه أنه يمسكها عن هون منه لها . والثاني: قال عطاء عن ابن عباس: أنه صفة للأب ، ومعناه أنه يمسكها مع الرضا بهوان نفسه وعلى رغم أنفه .

ثم قال: { أم يدسه في التراب } والدس إخفاء الشيء في الشيء . يروى أن العرب كانوا يحفرون حفيرة ويجعلونها فيها حتى تموت . وروي عن قيس بن عاصم أنه قال: يا رسول الله إني واريت ثماني بنات في الجاهلية فقال عليه السلام: « أعتق عن كل واحدة منهن رقبة » فقال: يا نبي الله إني ذو إبل ، فقال: « أهد عن كل واحدة منهن هديًا » وروي أن رجلًا قال يا رسول الله: ما أجد حلاوة الإسلام منذ أسلمت ، فقد كانت لي في الجاهلية ابنة فأمرت امرأتي أن تزينها فأخرجتها إلي فانتهيت بها إلى واد بعيد القعر فألقيتها فيه ، فقالت: يا أبت قتلتني ، فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء ، فقال عليه السلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت