فهرس الكتاب

الصفحة 3546 من 8321

فإن قيل: كيف كتب في المصحف { وَلأَوْضَعُواْ } بزيادة الألف؟

أجاب صاحب «الكشاف» بأن الفتحة كانت ألفًا قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريبًا من نزول القرآن وقد بقي في ذلك الألف أثر في الطباع ، فكتبوا صورة الهمزة ألفًا وفتحتها ألفًا أخرى ونحوه { أَولا أذبحنه } .

المسألة الخامسة: قوله: { خلالكم } أي فيما بينكم ، ومنه قوله: { وَفَجَّرْنَا خلالهما نَهَرًا } [ الكهف: 33 ] وقوله: { فَجَاسُواْ خلال الديار } [ الإسراء: 5 ] وأصله من الخلل ، وهو الفرجة بين الشيئين وجمعه خلال ، ومنه قوله: { فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ } [ النور: 43 ] وقرىء من { خلله } وهي مخارج مصب القطر ، وقال الأصمعي: تخللت القوم إذا دخلت بين خللهم وخلالهم . ويقال: جلسنا خلال بيوت الحي وخلال دورهم أي جلسنا بين البيوت ووسط الدور .

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: { ولأَوْضَعُواْ خلالكم } أي بالنميمة والإفساد وقوله: { يَبْغُونَكُمُ الفتنة } أي يبغون لكم ، وقال الأصمعي: ابغني كذا أي اطلبه لي ، ومعنى ابغني وابغ لي ، سواء ، وإذا قال ابغني ، فمعناه: أعني على ما بغيته ، ومعنى { الفتنة } ههنا افتراق الكلمة وظهور التشويش .

واعلم أن حاصل الكلام هو أنهم لو خرجوا فيهم ما زادوهم إلا خبالًا ، والخبال هو الإفساد الذي يوجب اختلاف الرأي وهو من أعظم الأمور التي يجب الاحتراز عنها في الحروب لأن عند حصول الاختلاف في الرأي يحصل الانهزام والانكسار على أسهل الوجوه . ثم بين تعالى أنهم لا يقتصرون على ذلك بل يمشون بين الأكابر بالنميمة فيكون الإفساد أكثر ، وهو المراد بقوله: { وَلأَوْضَعُواْ خلالكم } .

فأما قوله: { وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ } ففيه قولان: الأول: المراد: فيكم عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم ، وهذا قول مجاهد وابن زيد . والثاني: قال قتادة: فيكم من يسمع كلامهم ويقبل قولهم ، فإذا ألقوا إليهم أنواعًا من الكلمات الموجبة لضعف القلب قبلوها وفتروا بسببها عن القيام بأمر الجهاد كما ينبغي .

فإن قيل: كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم ونيتهم في الجهاد؟

قلنا: لا يمتنع فيمن قرب عهده بالإسلام أن يؤثر قول المنافقين فيهم ولا يمتنع كون بعض الناس مجبولين على الجبن والفشل وضعف القلب ، فيؤثر قولهم فيهم ، ولا يمتنع أن يكون بعض المسلمين من أقارب رؤساء المنافقين فينظرون إليهم بعين الإجلال والتعظيم ، فلهذا السبب يؤثر قول هؤلاء الأكابر من المنافقين فيهم ، ولا يمتنع أيضًا أن يقال: المنافقون على قسمين: منهم من يقتصر على النفاق ولا يسعى في الأرض بالفساد ، ثم إن الفريق الثاني من المنافقين يحملونهم على السعي بالفساد بسبب إلقاء الشبهات والأراجيف إليهم .

ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: { والله عَلِيمٌ بالظالمين } الذين ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم ونفاقهم ، وظلموا غيرهم بسبب أنهم سعوا في إلقاء غيرهم في وجوه الآفات والمخالفات ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت