فهرس الكتاب

الصفحة 6124 من 8321

{ مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ للشاربين } [ محمد: 15 ] ولذلك سمي النوم لذًا لاستلذاذه ، وعلى هذا لذة بمعنى لذيذة ، والأقرب من هذه الوجوه الأول .

ثم قال تعالى: { لاَ فِيهَا غَوْلٌ } وفيه أبحاث:

البحث الأول: قال الفراء العرب تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول سواء ، وقال أبو عبيدة الغول أن يغتال عقولهم ، وأنشد قول مطيع بن إياس:

وما زالت الكأس تغتالهم ... وتذهب بالأول الأول

وقال الليث: الغول الصداع والمعنى ليس فيها صداع كما في خمر الدنيا ، قال الواحدي C وحقيقته الإهلاك ، يقال غاله غولًا أي أهلكه ، والغول والغائل المهلك ، ثم سمي الصداع غولًا لأنه يؤدي إلى الهلاك .

ثم قال تعالى: { وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ } وقرىء بكسر الزاي قال الفراء من كسر الزاي فله معنيان يقال أنزف الرجل إذا نفدت خمرته ، وأنزف إذا ذهب عقله من السكر ومن فتح الزاي فمعناه لا يذهب عقولهم أي لا يسكرون يقال نزف الرجل فهو منزوف ونزيف ، والمعنى ليس فيها قط نوع من أنواع الفساد التي تكون في شرب الخمر من صداع أو خمار أو عربدة ولا هم يسكرون أيضًا ، وخصه بالذكر لأنه أعظم المفاسد في شرب الخمر ، ولما ذكر الله تعالى صفة مشروبهم ذكر عقيبه صفة منكوحهم من ثلاثة أوجه الأول: قوله: { وَعِندَهُمْ قاصرات الطرف } ومعنى القصر في اللغة الحبس ومنه قوله تعالى: { حُورٌ مقصورات فِى الخيام } [ الرحمن: 72 ] والمعنى أنهن يحبسن نظرهن ولا ينظرن إلى غير أزواجهن .

الصفة الثانية: قوله تعالى: { عِينٌ } قال الزجاج: كبار الأعين حسانها واحدها عيناء .

الصفة الثالثة: قوله تعالى: { كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ } المكنون في اللغة المستور يقال كننت الشيء وأكننته ، ومعنى هذا التشبيه أن ظاهر البيض بياض يشوبه قليل من الصفرة ، فإذا كان مكنونًا كان مصونًا عن الغبرة والقترة ، فكان هذا اللون في غاية الحسن والعرب كانوا يسمون النساء بيضات الخدور .

ولما تمم الله صفات أهل الجنة قال: { فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } فإن قيل على أي شيء عطف قوله: { فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } ؟ قلنا على قوله: { يُطَافُ عَلَيْهِمْ } والمعنى يشربون ويتحادثون على الشراب قال الشاعر:

وما بقيت من اللذات إلا ... محادثة الكرام على المدام

والمعنى فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت