فهرس الكتاب

الصفحة 1951 من 8321

{ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } [ مريم: 35 ] يعني: الالهية واتخاذ الولد لا يجتمعان ، وقيل: اللام منقولة ، والتقدير: وما كان النبي ليغل ، كقوله: { مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } أي ما كان الله ليتخذ ولدا .

الوجه الثاني: في تأويل هذه الآية على هذه القراءة أن يقال: إن القوم قد التمسوا منه أن يخصهم بحصة زائدة من الغنائم ، ولا شك أنه لو فعل ذلك لكان ذلك غلولا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية مبالغة في النهي له عن ذلك ، ونظيره قوله: { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر: 65 ] وقوله: { وَلَوْ تَّقُولُ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين } [ الحاقة: 44 ، 45 ] فقوله: { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } أي ما كان يحل له ذلك ، واذا لم يحل له لم يفعله ، ونظيره قوله: { وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا } [ النور: 16 ] أي ما يحل لنا .

وإذا عرفت تأويل الآية على هذه القراءة فنقول: حجة هذه القراءة وجوه: أحدها: أن أكثر الروايات في سبب نزول هذه الآية أنهم نسبوا الرسول A إلى الغلول ، فبين الله بهذه الآية أن هذه الخصلة لا تليق به . وثانيها: أن ما هو من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل كقوله: { مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بالله } [ يوسف: 38 ] و { مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ } [ يوسف: 76 ] { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } [ آل عمران: 145 ] { وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ } [ التوبة: 115 ] { وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب } [ آل عمران: 179 ] وقل أن يقال: ما كان زيد ليضرب ، وإذا كان كذلك وجب إلحاق هذه الآية بالأعم الأغلب ، ويؤكده ما حكى أبو عبيدة عن يونس أنه كان يختار هذه القراءة ، وقال: ليس في الكلام ما كان لك أن تضرب ، بضم التاء . وثالثها: أن هذه القراءة اختيار ابن عباس: فقيل له إن ابن مسعود يقرأ ( يغل ) فقال ابن عباس: كان النبي يقصدون قتله ، فكيف لا ينسبونه إلى الخيانة؟ وأما القراءة الثانية وهي ( يغل ) بضم الياء وفتح الغين ففي تأويلها وجهان: الأول: أن يكون المعنى: ما كان للنبي أن يخان .

واعلم أن الخيانة مع كل أحد محرمة ، وتخصيص النبي بهذه الحرمة فيه فوائد: أحدها: أن المجني عليه كلما كان أشرف وأعظم درجة كانت الخيانة في حقه أفحش ، والرسول أفضل البشر فكانت الخيانة في حقه أفحش . وثانيها: أن الوحي كان يأتيه حالا فحالا ، فمن خانه فربما نزل الوحي فيه فيحصل له مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا . وثالثها: ان المسلمين كانوا في غاية الفقر في ذلك الوقت فكانت تلك الخيانة هناك أفحش .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت