فهرس الكتاب

الصفحة 6816 من 8321

فإن قيل: لم قلت: إن الجمع يدل على التعظيم؟ قلنا الجواب من الوجهين . الأول: أن الكلام على قدر فهم السامع ، والسامع هو الإنسان ، والإنسان يقيس الشاهد على الغائب ، فإن الكبير عندهم من يفعل الشيء بجنده وخدمه ولا يباشر بنفسه ، فيقول الملك فعلنا أي فعله عبادنا بأمرنا ويكون في ذلك تعظيم ، فكذلك في حق الغائب . الوجه الآخر: هو أن القول إذا وقع من واحد وكان الغير به راضيًا يقول القائل فعلنا كلنا كذا وإذا اجتمع جمع على فعل لا يقع إلا بالبعض ، كما إذا خرج جم غفير وجمع كثير لقتل سبع وقتلوه يقال قتله أهل بلدة كذا لرضا الكل به وقصد الكل إليه ، إذا عرفت هذا فالله تعالى كيفما أمر بفعل شيء لا يكون لأحد رده وكان كل واحد منقادًا له ، يقول بدل فعلت فعلنا ، ولهذا الملك العظيم أجمعنا بحيث لا ينكره أحد ولا يرده نفس ، وقوله تعالى: { بِأَيْدٍ } أي قوة والأيد القوة هذا هو المشهور وبه فسّر قوله تعالى: { ذَا الأيد إِنَّهُ أَوَّابٌ } [ ص: 17 ] يحتمل أن يقال إن المراد جمع اليد ، ودليله أنه قال تعالى: { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } [ ص: 75 ] وقال تعالى: { مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أنعاما } [ ياس: 71 ] وهو راجع في الحقيقة إلى المعنى الأول وعلى هذا فحيث قال: { خُلِقَتْ } قال: { بِيَدَىَّ } وحيث قال: { بِأَيْدٍ } لمقابلة الجمع بالجمع ، فإن قيل فلم لم يقل بنيناها بأيدينا وقال: { وما عملت أيدينا } ؟ نقول لفائدة جليلة ، وهي أن السماء لا يخطر ببال أحد أنها مخلوقة لغير الله والأنعام ليست كذلك ، فقال هناك: { مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } تصريحًا بأن الحيوان مخلوق لله تعالى من غير واسطة وكذلك { خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } وفي السماء { بِأَيْدٍ } من غير إضافة للاستغناء عنها وفيه لطيفة أخرى وهي أن هناك لما أثبت الإضافة بعد حذف الضمير العائد إلى المفعول ، فلم يقل خلقته بيدي ولا قال عملته أيدينا وقال ههنا: { بنيناها } لأن هناك لم يخطر ببال أحد أن الإنسان غير مخلوق وأن الحيوان غير معمول فلم يقل خلقته ولا عملته وأما السماء فبعض الجهال يزعم أنها غير مجعولة فقال: { بنيناها } بعود الضمير تصريحًا بأنها مخلوقة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت