فهرس الكتاب

الصفحة 3417 من 8321

ثم قال تعالى: { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } قيل هذا إخبار عن قول الملائكة ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي: يجوز أن يقال ذلك مبتدأ ، وخبره قوله: { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } ويجوز أن يكون محل ذلك نصبًا ، والتقدير: فعلنا ذلك بما قدمت أيديكم .

المسألة الثانية: المراد من قوله: { ذلك } هذا أي هذا العذاب الذي هو عذاب الحريق ، حصل بسبب ما قدمت أيديكم ، وذكرنا في قوله: { الم * ذلك الكتاب } أن معناه هذا الكتاب وهذا المعنى جائز .

المسألة الثالثة: ظاهر قوله: { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ } يقتضي أن فاعل هذا الفعل هو اليد ، وذلك ممتنع من وجوه: أحدها: أن هذا العذاب إنما وصل إليهم بسبب كفرهم ، ومحل الكفر هو القلب لا اليد . وثانيها: أن اليد ليست محلًا للمعرفة والعلم ، فلا يتوجه التكليف عليها ، فلا يمكن إيصا العذاب إليها ، فوجب حمل اليد ههنا على القدرة ، وسبب هذا المجازان اليد آلة العمل والقدرة هي المؤثرة في العمل ، فحسن جعل اليد كناية عن القدرة .

واعلم أن التحقيق أن الإنسان جوهر واحد وهو الفعل وهو الدراك وهو المؤمن وهو الكافر وهو المطيع والعاصي ، وهذه الأعضاء آلات له وأدوات له في الفعل فأضيف الفعل في الظاهر إلى الآلة ، وهو في الحقيقة مضاف إلى جوهر ذات الإنسان .

المسألة الرابعة: قوله: { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } يقتضي أن ذلك العقاب كالأمر المتولد من الفعل الذي صدر عنه ، وقد عرفت أن العقاب إنما يتولد من العقائد الباطلة التي يكتبها الإنسان ، ومن الملكات الراسخة التي يكتسبها الإنسان ، فكان هذا الكلام مطابقًا للمعقول .

ثم قال تعالى: { وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في محل أن وجهان: أحدهما: النصب بنزع الخافض يعني بأن الله: والثاني: أنك إن جعلت قوله: { ذلك } في موضع رفع جعلت أن في موضع رفع أيضًا ، بمعنى وذلك أن الله قال الكسائي ولو كسرت ألف أن على الابتداء كان صوابًا ، وعلى هذا التقدير: يكون هذا كلامًا مبتدأ منقطعًا عما قبله .

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: لو كان تعالى يخلق الكفر في الكافر ، ثم يعذبه عليه لكان ظالمًا ، وأيضًا قوله تعالى: { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ } يدل على أنه تعالى إنما لم يكن ظالمًا بهذا العذاب ، لأنه قدم ما استوجب عليه هذا العذاب ، وذلك يدل على أنه لو لم يصدر منه ذلك التقديم لكان الله تعالى ظالمًا في هذا العذاب ، فلو كان الموجد للكفر والمعصية هو الله لا العبد لوجب كون الله ظالمًا ، وأيضًا تدل هذه الآية على كونه قادرًا على الظلم ، إذ لو لم يصح منه لما كان في التمدح بنفيه فائدة .

واعلم أن هذه المسألة قد سبق ذكرها على الاستقصاء في سورة آل عمران ، فلا فائدة في الإعادة . والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت