فهرس الكتاب

الصفحة 6388 من 8321

ثم قال تعالى: { وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القول فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مّنَ الجن والإنس إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين } فقوله في أمم في محل النصب على الحال من الضمير في عليهم ، والتقدير حق عليهم القول حال كونهم كائنين في جملة { أُمَمٍ } من المتقدمين { إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين } واحتج أصحابنا أيضًا بأنه تعالى أخبر بأن هؤلاء { حَقَّ عَلَيْهِمُ القول } فلو لم يكونوا كفارًا لانقلب هذا القول الحق باطلًا وهذا العلم جهلًا ، وهذا الخبر الصدق كذبًا ، وكل ذلك محال ومستلزم المحال محال ، فثبت أن صدور الإيمان عنهم ، وعدم صدور الكفر عنهم محال .

واعلم أن الكلام في أول السورة ابتدىء من قوله { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } إلى قوله { فاعمل إِنَّنَا عاملون } [ فصلت: 5 ] فأجاب الله تعالى عن تلك الشبهة بوجوه من الأجوبة ، واتصل الكلام بعضه بالبعض إلى هذا الموضع ، ثم إنه حكى عنهم شبهة أخرى فقال: { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } ، قال صاحب «الكشاف» قرىء { والغوا فِيهِ } بفتح الغين وضمها يقال لغى يلغي ويلغو واللغو الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته .

واعلم أن القوم علموا أن القرآن كلام كامل في المعنى ، وفي اللفظ وأن كل من سمعه وقف على جزالة ألفاظه ، وأحاط عقله بمعانيه ، وقضى عقله بأنه كلام حق واجب القبول ، فدبروا تدبيرًا في منع الناس عن استماعه ، فقال بعضهم لبعض { لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان } إذا قرىء وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات بالخرافات والأشعار الفاسدة والكلمات الباطلة ، حتى تخلطوا على القارىء وتشوشوا عليه وتغلبوا على قراءته ، كانت قريش يوصي بذلك بعضهم بعضًا ، والمراد افعلوا عند تلاوة القرآن ما يكون لغوًا وباطلًا ، لتخرجوا قراءة القرآن عن أن تصير مفهومة للناس ، فبهذا الطريق تغلبون محمدًا A ، وهذا جهل منهم لأنهم في الحال أقروا بأنهم مشتغلون بالغو والباطل من العمل والله تعالى ينصر محمدًا بفضله ، ولما ذكر الله تعالى ذلك هددهم بالعذاب الشديد فقال: { فَلَنُذِيقَنَّ الذين كَفَرُواْ عَذَابًا شَدِيدًا } لأن لفظ الذوق إنما يذكر في القدر القليل الذي يؤتى به لأجل التجربة ، ثم إنه تعالى ذكر أن ذلك الذوق عذاب الشديد ، فإذا كان القليل منه عذابًا شديدًا فكيف يكون حال الكثير منه ، ثم قال: { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ } واختلفوا فيه فقال الأكثرون المراد جزاء سوء أعمالهم ، وقال الحسن بل المراد أنه لا يجازيهم على محاسن أعمالهم ، لأنهم أحبطوها بالكفر فضاعت تلك الأعمال الحسنة عنهم ، ولم يبق معهم إلا الأعمال القبيحة الباطلة ، فلا جرم لم يتحصلوا إلا على جزاء السيئات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت