فهرس الكتاب

الصفحة 2753 من 8321

المسألة الثالثة: أنه تعالى قال: { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } فذكره بصيغة الإفراد ثم قال: { على قُلُوبِهِمْ } فذكره بصيغة الجمع . وإنما حسن ذلك لأن صيغة ( من ) واحد في اللفظ جمع في المعنى .

وأما قوله تعالى: { وإن يرواْ كل ءاية لاّ يُؤمنواْ بها } قال بان عباس: وإن يروا كل دليل وحجة لا يؤمنوا بها لأجل أن الله تعالى جعل على قلوبهم أكنة ، وهذه الآية تدل على فساد التأويل الأول الذي نقلناه عن الجبائي ، ولأنه لو كان المراد من قوله تعالى: { وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } إلقاء النوم على قلوب الكفار لئلا يمكنهم التوسل بسماع صوته على وجدان مكانه لما كان قوله { وإن يرواْ كل ءاية لاّ يُؤمنواْ بها } لائقًا بهذا الكلام ، وأيضًا لو كان المراد ما ذكره الجبائي لكان يجب أن يقال: وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يسمعوه ، لأن المقصود الذي ذكره الجبائي إنما يحصل بالمنع من سماع صوت الرسول عليه السلام أما المنع من نفس كلامه ومن فهم مقصوده ، فلا تعلق له بما ذكره الجبائي فظهر سقوط قوله . والله أعلم .

أما قوله تعالى: { حتى إِذَا جاءُوك يجادلونك } فاعلم أن هذا الكلام جملة أخرى مرتبة على ما قبلها و { حتى } في هذا الموضع هي التي يقع بعدها الجمل ، والجملة هي قوله { إِذَا جاءُوك يجادلونك } يقول الذين كفروا ، ويجادلونك في موضع الحال وقوله { يَقُولُ الذين كَفَرُواْ } تفسير لقوله { يجادلونك } والمعنى أنه بلغ بتكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك ، وفسّر مجادلتهم بأنهم يقولون { إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الاولين } قال الواحدي: وأصل الأساطير من السطر ، وهو أن يجعل شيئًا ممتدًا مؤلفًا ومنه سطر الكتاب وسطر من شجر مغروس . قال ابن السكيت: يقال سطر وسطر ، فمن قال سطر فجمعه في القليل أسطر والكثير سطور ، ومن قال سطر فجمعه أسطار ، والأساطير جمع الجمع ، وقال الجبائي: واحد الأساطير أسطور وأسطورة وأسطير وأسطيرة ، وقال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة مثل أحاديث وأحدوثة . وقال أبو زيد: الأساطير من الجمع الذي لا واحد له مثل عباديد ثم قال الجمهور: أساطير الأولين ما سطره الأولون . قال ابن عباس: معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها أي يكتبونها . فأما قول من فسر الأساطير بالترهات ، فهو معنى وليس مفسرًا . ولما كانت أساطير الأولين مثل حديث رستم واسفنديار كلامًا لا فائدة فيه لا جرم فسرت أساطير الأولين بالترهات .

المسألة الرابعة: اعلم أنه كان مقصود القوم من ذكر قولهم { إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الاولين } القدح في كون القرآن معجزًا فكأنهم قالوا: إن هذا الكلام من جنس سائر الحكايات المكتوبة ، والقصص المذكورة للأولين ، وإذا كان هذا من جنس تلك الكتب المشتملة على حكايات الأولين وأقاصيص الأقدمين لم يكن معجزًا خارقًا للعادة . وأجاب القاضي عنه بأن قال: هذا السؤال مدفوع لأنه يلزم أن يقال لو كان في مقدوركم معارضته لوجب أن تأتوا بتلك المعارضة وحيث لم يقدروا عليها ظهر أنها معجزة . ولقائل أن يقول: كان للقوم أن يقولوا نحن وإن كنا أرباب هذا اللسان العربي إلا أنا لا نعرف كيفية تصنيف الكتب وتأليفها ولسنا أهلًا لذلك . ولا يلزم من عجزنا عن التصنيف كون القرآن معجزًا لأنا بينا أنه من جنس سائر الكتب المشتملة على أخبار الأولين وأقاصيص الأقدمين .

واعلم أن الجواب عن هذا السؤال سيأتي في الآية المذكورة بعد ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت