والأولى أن يقال: وأي استبعاد في كون أحد الكتابين في الآخر ، إما بأن يوضع كتاب الفجار في الكتاب الذي هو الأصل المرجوع إلى في تفصيل أحوال الأشقياء ، أو بأن ينقل ما في كتاب الفجار إلى ذلك الكتاب المسمى بالسجين ، وفيه وجه ثالث: وهو أن يكون المراد من الكتاب ، الكتابة فيكون في المعنى: كتابة الفجار في سجين ، أي كتابة أعمالهم في سجين ، ثم وصف السجين بأنه { كتاب مَّرْقُومٌ } فيه جميع أعمال الفجار .
السؤال الثالث: ما معنى قوله: { كتاب مَّرْقُومٌ } ؟ قلنا فيه وجوه: أحدها: مرقوم أي مكتوبة أعمالهم فيه وثانيها: قال قتادة: رقم لهم بسوء أي كتب لهم بإيجاب النار وثالثها: قال القفال: يحتمل أن يكون المراد أنه جعل ذلك الكتاب مرقومًا ، كما يرقم التاجر ثوبه علامة لقيمته ، فكذلك كتاب الفاجر جعل مرقومًا برقم دال على شقاوته ورابعها: المرقوم: ههنا المختوم ، قال الواحدي: وهو صحيح لأن الختم علامة ، فيجوز أن يسمى المرقوم مختومًا وخامسها: أن المعنى كتاب مثبت عليهم كالرقم في الثوب ينمحي ، أما قوله: { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } ففيه وجهان أحدهما: أنه متصل بقوله: { يَوْمَ يَقُومُ الناس } أي: { يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين } [ المطففين: 83 ] ويل لمن كذب بأخبار الله والثاني: أن قوله: { مَّرْقُومٌ } معناه رقم برقم يدل على الشقاوة يوم القيامة ، ثم قال: { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } في ذلك اليوم من ذلك الكتاب ، ثم إنه تعالى أخبر عن صفة من يكذب بيوم الدين فقال: { وَمَا يُكَذّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا قَالَ أساطير الأولين } ومعناه أنه لا يكذب بيوم الدين إلا من كان موصوفًا بهذه الصفات الثلاثة فأولها: كونه معتديًا ، والاعتداء هو التجاوز عن المنهج الحق وثانيها: الأثيم وهو مبالغة في ارتكاب الإثم والمعاصي . وأقول الإنسان له قوتان قوة نظرية وكمالها في أن يعرف الحق لذاته ، وقوة عملية وكمالها في أن يعرف الخير لأجل العمل به ، وضد الأول أن يصف الله تعالى بما لا يجوز وصفه به ، فإن كل من منع من إمكان البعث والقيامة إنما منع إما لأنه لم يعلم تعلق علم الله بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات ، أو لأنه لم يعلم تعلق قدرة الله بجميع الممكنات . فهذا الاعتداء ضد القوة العملية ، هو الاشتغال بالشهوة والغضب وصاحبه هو الأثيم ، وذلك لأن المشتغل بالشهوة والغضب قلما يتفرغ للعبادة والطاعة ، وربما صار ذلك مانعًا له عن الإيمان بالقيامة .
وأما الصفة الثالثة: للمكذبين بيوم الدين فهو قوله: { إِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا قَالَ أساطير الأولين } والمراد منه الذين ينكرون النبوة ، والمعنى إذا تلي عليه القرآن قال أساطير الأولين ، وفيه وجهان أحدهما: أكاذيب الأولين والثاني: أخبار الأولين وأنه عنهم أخذ أي يقدح في كون القرآن من عند الله بهذا الطريق ، وههنا بحث آخر: وهو أن هذه الصفات الثلاثة هل المراد منها شخص معين أولًا؟ فيه قولان: الأول: وهو قول الكلبي: أن المراد منه الوليد بن المغيرة ، وقال آخرون: إنه النضر بن الحارث ، واحتج من قال: إنه الوليد بأنه تعالى قال في سورة ن: