{ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ } [ ن: 10 ] إلى قوله { مُعْتَدٍ أَثِيمٍ } [ ن: 12 ] إلى قوله { إِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا قَالَ أساطير الأولين } [ ن: 15 ] فقيل إنه: الوليد بن المغيرة ، وعلى هذا التقدير يكون المعنى: وما يكذب بيوم الدين من قريش أو من قومك إلا كل معتد أثيم ، وهذا هو الشخص المعين والقول الثاني: أنه عام في حق جميع الموصوفين بهذه الصفات ، أما قوله تعالى: { كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } فالمعنى ليس الأمر كما يقوله من أن ذلك أساطير الأولين ، بل أفعالهم الماضية صارت سببًا لحصول الرين في قلوبهم ، ولأهل اللغة في تفسير لفظة الرين وجوه ، ولأهل التفسير وجوه أخر ، أما أهل اللغة فقال أبو عبيدة: ران على قلوبهم غلب عليها والخمر ترين على عقل السكران ، والموت يرين على الميت فيذهب به ، قال الليث: ران النعاس والخمر في الرأس إذا رسخ فيه ، وهو يريد رينا ، وريونًا ، ومن هذا حديث عمر في أسيفع جهينة لما ركبه الدين «أصبح قد رين به» قال أبو زيد: يقال: رين بالرجل يران به رينًا إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه . قال أبو معاذ النحوي: الرين أن يسود القلب من الذنوب والطبع أن يطبع على القلب وهو أشد من الرين ، والأقفال أشد من الطبع ، وهو أن يقفل على القلب ، قال الزجاج: ران على قلوبهم بمعنى غطى على قلوبهم ، يقال: ران على قلبه الذنب يرين رينًا أي غشيه ، والرين كالصدإ يغشى القلب ومثله العين ، أما أهل التفسير ، فلهم وجوه: قال الحسن: ومجاهد هو الذنب على الذنب ، حتى تحيط الذنوب بالقلب ، وتغشاه فيموت القلب ، وروي عن رسول الله A أنه قال:"إياكم والمحقرات من الذنوب ، فإن الذنب على الذنب يوقد على صاحبه جحيمًا ضخمة"وعن مجاهد القلب كالكف ، فإذا أذنب الذنب انقبض ، وإذا أذنب ذنبًا آخر انقبض ثم يطبع عليه وهو الرين ، وقال آخرون: كلما أذنب الإنسان حصلت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود القلب كله ، وروي هذا مرفوعًا في حديث أبي هريرة ، قلت: لا شك أن تكرر الأفعال سبب لحصول ملكة نفسانية ، فإن من أراد تعلم الكتابة فكلما كان إتيانه بعمل الكتابة أكثر كان اقتداره على عمل الكتابة أتم ، إلى أن يصير بحيث يقدر على الإتيان بالكتابة من غير روية ولا فكرة ، فهذه الهيئة النفسانية ، لما تولدت من تلك الأعمال الكثيرة كان لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الهيئة النفسانية ، إذا عرفت هذا فنقول: إن الإنسان إذا واظب على الإتيان ببعض أنواع الذنوب ، حصلت في قلبه ملكة نفسانية على الإتيان بذلك الذنب ، ولا معنى للذنب إلا ما يشغلك بغير الله ، وكل ما يشغلك بغير الله فهو ظلمة ، فإذن الذنوب كلها ظلمات وسواد ، ولكل واحد من الأعمال السالفة التي أورث مجموعها حصول تلك الملكة أثر في حصولها ، فذلك هو المراد من قولهم: كلما أذنب الإنسان حصلت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود القلب ، ولما كانت مراتب الملكات في الشدة والضعف مختلفة ، لا جرم كانت مراتب هذا السواد والظلمة مختلفة ، فبعضها يكون رينًا وبعضها طبعًا وبعضها أقفالًا ، قال القاضي ليس المراد من الرين أن قلبهم قد تغير وحصل فيه منع ، بل المراد أنهم صاروا لإيقاع الذنب حالًا بعد حال متجرئين عليه وقويت دواعيهم إلى ترك التوبة وترك الإقلاع ، فاستمروا وصعب الأمر عليهم ، ولذلك بين أن علة الرين كسبهم ، ومعلوم إن إكثارهم من اكتساب الذنوب لا يمنع من الإقلاع والتوبة ، وأقول قد بينا أن صدور الفعل حال استواء الداعي إلى الفعل ، والداعي إلى الترك محال لامتناع ترجيح الممكن من غير مرجح ، فبأن يكون ممتنعًا حال المرجوحية كان أولى ، ولما سلم القاضي أنهم صاروا بسبب الأفعال السالفة راجحًا ، فوجب أن يكون الإقلاع في هذه الحالة ممتنعًا ، وتمام الكلام قد تقدم مرارًا في هذا الكتاب .