فهرس الكتاب

الصفحة 1439 من 8321

أما قوله: { وَلاَ خُلَّةٌ } فالمراد المودة ، ونظيره من الآيات قوله تعالى: { الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين } [ الزخرف: 67 ] وقال: { وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب } [ البقرة: 166 ] وقال: { وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } [ العنكبوت: 25 ] وقال حكاية عن الكفار: { فَمَا لَنَا مِن شافعين وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ } [ الشعراء: 100 ] وقال: { وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } [ البقرة: 270 ] وأما قوله: { وَلاَ شفاعة } يقتضي نفي كل الشفاعات .

واعلم أن قوله: { وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة } عام في الكل ، إلا أن سائر الدلائل دلت على ثبوت المودة والمحبة بين المؤمنين ، وعلى ثبوت الشفاعة للمؤمنين ، وقد بيناه في تفسير قوله تعالى: { واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله } [ البقرة: 281 ] { لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة } [ البقرة: 48 ] .

واعلم أن السبب في عدم الخلة والشفاعة يوم القيامة أمور أحدها: أن كل أحد يكون مشغولًا بنفسه ، على ما قال تعالى: { لِكُلّ امرىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ } [ عبس: 37 ] والثاني: أن الخوف الشديد غالب على كل أحد ، على ما قال: { يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى } [ الحج: 2 ] والثالث: أنه إذا نزل العذاب بسبب الكفر والفسق صار مبغضًا لهذين الأمرين ، وإذا صار مبغضًا لهما صار مبغضًا لمن كان موصوفًا بهما .

أما قوله تعالى: { والكافرون هُمُ الظالمون } فنقل عن عطاء بن يسار أنه كان يقول: الحمد لله الذي قال: { والكافرون هُمُ الظالمون } ولم يقل الظالمون هم الكافرون ، ثم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوهًا أحدها: أنه تعالى لما قال: { وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة } أوهم ذلك نفي الخلة والشفاعة مطلقًا ، فذكر تعالى عقيبه: { والكافرون هُمُ الظالمون } ليدل على أن ذلك النفي مختص بالكافرين ، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة على إثبات الشفاعة في حق الفساق ، قال القاضي: هذا التأويل غير صحيح لأن قوله: { والكافرون هُمُ الظالمون } كلام مبتدأ فلم يجب تعليقه بما تقدم .

والجواب: أنا لو جعلنا هذا الكلام مبتدأ ، تطرق الخُلفْ إلى كلام الله تعالى ، لأن غير الكافرين قد يكون ظالمًا ، أما إذا علقناه بما تقدم زال الإشكال فوجب المصير إلى تعليقه بما قبله .

التأويل الثاني: أن الكافرين إذا دخلوا النار عَجَزوا عن التخلص عن ذلك العذاب ، فالله تعالى لم يظلمهم بذلك العذاب ، بل هم الذين ظلموا أنفسهم حيث اختاروا الكفر والفسق حتى صاروا مستحقين لهذا العذاب ، ونظيره قوله تعالى: { وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } [ الكهف: 49 ] .

والتأويل الثالث: أن الكافرين هم الظالمون حيث تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم وحاجتهم وأنتم أيها الحاضرون لا تقتدوا بهم في هذا الاختيار الردىء ، ولكن قدموا لأنفسكم ما تجعلونه يوم القيامة فدية لأنفسكم من عذاب الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت