والمرتبة الثانية: أن يحصل لها العلوم الكلية الأولية ، وهي المسماة بالعقل .
والمرتبة الثالثة: أن يحاول ذلك الإنسان تركيب تلك البديهيات: ويتوصل بتركيبها إلى تعرف المجهولات الكسبية ، إلا أن تلك المعارف ربما لا تكون حاضرة بالفعل ، ولكنها تكون بحيث متى شاء صاحبها استرجاعها واستحضارها ، يقدر عليه .
والمرتبة الرابعة: أن تكون تلك المعارف القدسية والجلايا الروحانية حاضرة بالفعل ، ويكون جوهر ذلك الروح مشرقًا بتلك المعارف مستضيئًا بها مستكملًا بظهورها فيه .
إذا عرفت هذا فنقول:
المرتبة الأولى: وهي حصول الاستعداد فقط ، هي المسماة بالموت .
والمرتبة الثانية: وهي أن تحصل العلوم البديهية الكلية فيه فهي المشار إليها بقوله: { فأحييناه } .
والمرتبة الثالثة: وهي تركيب البديهيات حتى يتوصل بتركيباتها إلى تعرف المجهولات النظرية ، فهي المراد من قوله تعالى: { وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا } .
والمرتبة الرابعة: وهي قوله: { يَمْشِي بِهِ فِى الناس } إشارة إلى كونه مستحضرًا لتلك الجلايا القدسية ناظرًا إليها ، وعند هذا تتم درجات سعادات النفس الإنسانية ، ويمكن أن يقال أيضًا الحياة عبارة عن الاستعداد القائم بجوهر الروح ، والنور عبارة عن إيصال نور الوحي والتنزيل به . فإنه لا بد في الإبصار من أمرين: من سلامة الحاسة ، ومن طلوع الشمس ، فكذلك البصيرة لا بد فيها من أمرين: من سلامة حاسة العقل ، ومن طلوع نور الوحي والتنزيل ، فلهذا السبب قال المفسرون: المراد بهذا النور ، القرآن . ومنهم من قال: هو نور الدين ، ومنهم من قال: هو نور الحكمة ، والأقوال بأسرها متقاربة ، والتحقيق ما ذكرناه . وأما مثل الكافر { فَهُوَ كَمَنْ فِي الظلمات لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا } وفي قوله: { لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا } دقيقة عقلية ، وهي أن الشيء إذا دام حصوله مع الشيء صار كالأمر الذاتي والصفة اللازمة له . فإذا دام كون الكافر في ظلمات الجهل والأخلاق الذميمة صارت تلك الظلمات كالصفة الذاتية اللازمة له يعسر إزالتها عنه ، نعوذ بالله من هذه الحالة . وأيضًا الواقف في الظلمات يبقى متحيرًا لا يهتدي إلى وجه صلاحه فيستولي عليه الخوف والفزع ، والعجز والوقوف .
المسألة الرابعة: اختلفوا في أن هذين المثلين المذكورين هل هما مخصوصان بإنسانين معينين أو عامان في كل مؤمن وكافر . فيه قولان: الأول: أنه خاص بإنسانين على التعيين ، ثم فيه وجوه: الأول: قال ابن عباس: إن أبا جهل رمى النبي A بفرث وحمزة يومئذ لم يؤمن ، فأخبر حمزة بذلك عند قدومه من صيد له والقوس بيده ، فعمد إلى أبي جهل وتوخاه بالقوس ، وجعل يضرب رأسه ، فقال له أبو جهل: أما ترى ما جاء به؟ سفه عقولنا ، وسب آلهتنا ، فقال حمزة: أنتم أسفه الناس ، تعبدون الحجارة من دون الله ، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله ، فنزلت هذه الآية .