وقوله: « ليس بمؤمن من بات شبعانًا وجاره جائع » ونحو هذا .
الحجة الثالثة: لو كانت الوصية واجبة في كل ما ترك ، سواء كان قليلًا ، أو كثيرًا ، لما كان التقييد بقوله: { إِن تَرَكَ خَيْرًا } كلامًا مفيدًا ، لأن كل أحد لا بد وأن يترك شيئًا ما ، قليلًا كان أو كثيرًا ، أما الذي يموت عريانًا ولا يبقى معه كسرة خبز ، ولا قدر من الكرباس الذي يستر به عورته ، فذاك في غاية الندرة ، فإذا ثبت أن المراد ههنا من الخير المال الكثير ، فذاك المال هل هو مقدر بمقدار معين محدود أم لا فيه قولان:
القول الأول: أنه مقدر بمقدار معين ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا ، فروي عن علي Bه أنه دخل على مولى لهم في الموت ، وله سبعمائة درهم ، فقال أولا أوصي ، قال: لا إنما قال الله تعالى: { إِن تَرَكَ خَيْرًا } وليس لك كثير مال ، وعن عائشة Bها أن رجلًا قال لها: إني أريد أن أوصي ، قالت: كم مالك؟ قال ثلاثة آلاف ، قالت: كم عيالك؟ قال أربعة قالت: قال الله { إِن تَرَكَ خَيْرًا } وإن هذا لشيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل ، وعن ابن عباس إذا ترك سبعمائة درهم فلا يوصي فإن بلغ ثمانمائة درهم أوصي وعن قتادة ألف درهم ، وعن النخعي من ألف وخمسمائة درهم .
والقول الثاني: أنه غير مقدر بمقدار معين . بل يختلف ذلك باختلاف حال الرجال ، لأن / بمقدار من المال يوصف المرء بأنه غني ، وبذلك القدر لا يوصف غيره بالغنى لأجل كثرة العيال وكثرة النفقة ، ولا يمتنع في الإيجاب أن يكون متعلقًا بمقدار مقدر بحسب الاجتهاد ، فليس لأحد أن يجعل فقد البيان في مقدار المال دلالة على أن هذه الوصية لم تجب فيها قط بأن يقول لو وجبت لوجب أن يقدر المال الواجب فيها .
أما قوله: { الوصية } ففيه مسألتان:
المسألة الأولى: إنما قال: { كتب } لأنه أراد بالوصية الإيصاء ، ولذلك ذكر الضمير في قوله: { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ } [ البقرة: 181 ] وأيضًا إنما ذكر للفصل بين الفعل والوصية ، لأن الكلام لما طال كان الفاصل بين المؤنث والفعل ، كالعوض من تاء التأنيث ، والعرب تقول حضر القاضي امرأة ، فيذكرون لأن القاضي بين الفعل وبين المرأة .
المسألة الثانية: رفع الوصية من وجهين أحدهما: على ما لم يسم فاعله والثاني: على أن يكون مبتدأ وللوالدين الخبر ، وتكون الجملة في موضع رفع بكتب ، كما تقول قيل عبد الله قائم ، فقولك عبد الله قائم جملة مركبة من مبتدأ وخبر ، والجملة في موضع رفع بقيل .
أما قوله: { للوالدين والأقربين } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أن الله تعالى لما بين أن الوصية واجبة ، بين بعد ذلك أنها واجبة لمن فقال: للوالدين والأقربين ، وفيه وجهان: الأول: قال الأصم: إنهم كانوا يوصون للأبعدين طلبًا للفخر والشرف ، ويتركون الأقارب في الفقر والمسكنة ، فأوجب الله تعالى في أول الإسلام الوصية لهؤلاء منعًا للقوم عما كانوا اعتادوه وهذا بين الثاني: قال آخرون إن إيجاب هذه الوصية لما كان قبل آية المواريث ، جعل الله الخيار إلى الموصي في ماله وألزمه أن لا يتعدى في إخراجه ماله بعد موته عن الوالدان والأقربين فيكون واصلًا إليهم بتمليكه واختياره ، ولذلك لما نزلت آية المواريث قال E: