فهرس الكتاب

الصفحة 6423 من 8321

{ أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَيْء عُجَابٌ } [ ص: 5 ] وههنا مسائل:

المسألة الأولى: احتج نفاة القياس بهذه الآية قالوا إنه تعالى أخبر أن أكابر الأنبياء أطبقوا على أنه يجب إقامة الدين بحيث لا يفضي إلى الاختلاف والتنازع ، والله تعالى ذكر في معرض المنّة على عباده أنه أرشدهم إلى الدين الخالي عن التفرق والمخالفة ومعلوم أن فتح باب القياس يفضي إلى أعظم أنواع التفرق والمنازعة ، فإن الحس شاهد بأن هؤلاء الذين بنوا دينهم على الأخذ بالقياس تفرقوا تفرقًا لا رجاء في حصول الاتفاق بينهم إلى آخر القيامة ، فوجب أن يكون ذلك محرمًا ممنوعًا عنه .

المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أن هذه الشرائع قسمين منها ما يمتنع دخول النسخ والتغيير فيه ، بل يكون واجب البقاء في جميع الشرائع والأديان ، كالقول بحسن الصدق والعدل والإحسان ، والقول بقبح الكذب والظلم والإيذاء ، ومنها ما يختلف باختلاف الشرائع والأديان ، ودلت هذه الآية على أن سعي الشرع في تقرير النوع الأول أقوى من سعيه في تقرير النوع الثاني ، لأن المواظبة على القسم الأول مهمة في اكتساب الأحوال المفيدة لحصول السعادة في الدار الآخرة .

المسألة الثالثة: قوله تعالى: { أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ } مشعر بأن حصول الموافقة أمر مطلوب في الشرع والعقل ، وبيان منفعته من وجوه الأول: أن للنفوس تأثيرات ، وإذا تطابقت النفوس وتوافقت على واحد قوي التأثير الثاني: أنها إذا توافقت صار كل واحد منها معينًا للآخر في ذلك المقصود المعين ، وكثرة الأعوان توجب حصول المقصود ، أما إذا تخالفت تنازعت وتجادلت فضعفت فلا يحصل المقصود الثالث: أن حصول التنازع ضد مصلحة العالم لأن ذلك يفضي إلى الهرج والمرج والقتل والنهب ، فلهذا السبب أمر الله تعالى في هذه الآية بإقامة الدين على وجه لا يفضي إلى التفرق وقال في آية أخرى { وَلاَ تنازعوا فَتَفْشَلُواْ } [ الأنفال: 46 ] .

ثم قال تعالى: { الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ } وفيه وجهان الأول: أنه تعالى لما أرشد أمة محمد A إلى التمسك بالدين المتفق عليه بيّن أنه تعالى إنما أرشدهم إلى هذا الخير ، لأنه اجتباهم واصطفاهم وخصهم بمزيد الرحمة والكرامة الثاني: أنه إنما كبّر عليهم هذا الدعاء من الرسل لما فيه من الانقياد لهم تكبرًا وأنفة فبيّن تعالى أنه يخص من يشاء بالرسالة ويلزم الانقياد لهم ، ولا يعتبر الحسب والنسب والغنى ، بل الكل سواء في أنه يلزمهم اتباع الرسل الذين اجتباهم الله تعالى ، واشتقاق لفظ الاجتباء يدل على الضم والجمع ، فمنه جبى الخراج واجتباه وجبى الماء في الحوض فقوله { الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ } أي يضمه إليه ويقربه منه تقريب الإكرام والرحمة ، وقوله { مَن يَشَآء } كقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت