فهرس الكتاب

الصفحة 6424 من 8321

{ يُعَذّبُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء } [ العنكبوت: 21 ] .

ثم قال: { وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ } وهو كما روي في الخبر «من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة » أي من أقبل إليّ بطاعته أقبلت إليه بهدايتي وإرشادي بأن أشرح له صدره وأسهل أمره .

واعلم أنه تعالى لما بيّن أنه أمر كل الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه ، كان لقائل أن يقول: فلماذا نجدهم متفرقين؟ فأجاب الله تعالى عنهم بقوله { وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ } يعني أنهم ما تفرقوا إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلالة ، ولكنهم فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة فحملتهم الحمية النفسانية والأنفة الطبعية ، على أن ذهب كل طائفة إلى مذهب ودعا الناس إليه وقبح ما سواه طلبًا للذكر والرياسة ، فصار ذلك سببًا لوقوع الاختلاف ، ثم أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل ، إلا أنه تعالى أخر عنهم ذلك العذاب ، لأن لكل عذاب عنده أجلًا مسمى ، أي وقتًا معلومًا ، إما لمحض المشيئة كما هو قولنا ، أو لأنه علم أن الصلاح تحقيقه به كما عند المعتزلة ، وهو معنى قوله { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ } والأجل المسمى قد يكون في الدنيا وقد يكون في القيامة ، واختلفوا في الذين أريدوا بهذه الصفة من هم؟ فقال الأكثرون هم اليهود والنصارى ، والدليل قوله تعالى في آل عمران { وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ } [ آل عمران: 19 ] وقال في سورة لم يكن { وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة } [ البينة: 4 ] ولأن قوله { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم } لائق بأهل الكتاب ، وقال آخرون: إنهم هم العرب ، وهذا باطل للوجوه المذكورة ، لأن قوله تعالى بعد هذه الآية { وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ } لا يليق بالعرب ، لأن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم ، هم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله A { لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ } من كتابهم { مُرِيبٍ } لا يؤمنون به حق الإيمان .

ثم قال تعالى: { فَلِذَلِكَ فادع واستقم كَمَا أُمِرْتَ } يعني فلأجل ذلك التفرق ولأجل ما حدث من الاختلافات الكثيرة في الدين ، فادع إلى الاتفاق على الملة الحنيفية واستقم عليها وعلى الدعوة إليها ، كما أمرك الله ، ولا تتبع أهواءهم المختلفة الباطلة { وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ الله مِن كتاب } أي بأي كتاب صح أن الله أنزله ، يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة ، لأن المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض ، ونظيره قوله { نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } إلى قوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت