فهرس الكتاب

الصفحة 6425 من 8321

{ أولئك هُمُ الكافرون } [ النساء: 151 ] ثم قال: { وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ } أي في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إلي ، قل القفال: معناه أن ربي أمرني أن لا أفرق بين نفسي وأنفسكم بأن آمركم بما لا أعمله ، أو أخالفكم إلى ما نهيتكم عنه ، لكني أسوي بينكم وبين نفسي ، وكذلك أسوي بين أكابركم وأصاغركم فيما يتعلق بحكم الله .

ثم قال: { الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ المصير } والمعنى أن إله الكل واحد ، وكل واحد مخصوص بعمل نفسه ، فوجب أن يشتغل كل واحد في الدنيا بنفسه ، فإن الله يجمع بين الكل في يوم القيامة ويجازيه على عمله ، والمقصود منه المتاركة واشتغال كل أحد بمهم نفسه ، فإن قيل كيف يليق بهذه المتاركة ما فعل بهم من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء؟ قلنا هذه المتاركة كانت مشروطة بشرط أن يقبلوا الدين المتفق على صحته بين كل الأنبياء ، ودخل فيه التوحيد ، وترك عبادة الأصنام ، والإقرار بنبوة الأنبياء ، وبصحة البعث والقيامة ، فلما لم يقبلوا هذا الدين ، فحينئذٍ فات الشرط ، فلا جرم فات المشروط .

وأعلم أنه ليس المراد من قوله { لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ } تحريم ما يجري مجرى محاجتهم ، ويدل عليه وجوه الأول: أن هذا الكلام مذكور في معرض المحاجة ، فلو كان المقصود من هذه الآية تحريم المحاجة ، لزم كونها محرمة لنفسها وهو متناقض والثاني: أنه لولا الأدلة لما توجه التكليف الثالث: أن الدليل يفيد العلم وذلك لا يمكن تحريمه ، بل المراد أن القوم عرفوا بالحجة صدق محمد A ، وإنما تركوا تصديقه بغيًا وعنادًا ، فبيّن تعالى أنه قد حصل الاستغناء عن محاجتهم لأنهم عرفوا بالحجة صدقه فلا حاجة معهم إلى المحاجة ألبتة ، ومما يقوي قولنا: أنه لا يجوز تحريم المحاجة ، قوله { وجادلهم بالتي هِىَ أَحْسَنُ } [ النحل: 125 ] وقوله تعالى: { ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ } [ النحل: 125 ] وقوله { ولا تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ } [ العنكبوت: 46 ] وقوله { يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } [ هود: 32 ] وقوله { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ } [ الأنعام: 83 ] .

ثم قال تعالى: { والذين يُحَاجُّونَ فِي الله } أي يخاصمون في دينه { مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ } أي من بعد ما استجاب الناس لذلك الدين { حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ } أي باطلة وتلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا ألستم تقولون إن الأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف؟ فنبوّة موسى وحقية التوراة معلومة بالاتفاق ، ونبوة محمد ليست متفقًا عليها ، فإذا بنيتم كلامكم في هذه الآية على أن الأخذ بالمتفق أولى ، وجب أن يكون الأخذ باليهودية أولى ، فبيّن تعالى أن هذه الحجة داحضة ، أي باطلة فاسدة ، وذلك لأن اليهود أطبقوا على أنه إنما وجب الإيمان بموسى عليه السلام لأجد ظهور المعجزات على وفق قوله ، وههنا ظهرت المعجزات على وفق قول محمد عليه السلام ، واليهود شاهدوا تلك المعجزات ، فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق ، فههنا يجب الإعتراف بنبوة محمد A ، وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنبوته . وأما الإقرار بنبوة موسى والإصرار على إنكار نبوة محمد مع استوائهما في ظهور المعجزة يكون متناقضًا ، ولما قرر الله هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة ، فقال: { الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ } والمعنى أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على أنواع الدلائل والبينات ، وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس المستقيم ، وأنهم لا يعلمون أن القيامة متى تفاجئهم ومتى كان الأمر كذلك ، وجب على العاقل أن يجد ويجتهد في النظر والاستدلال ، ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد ، ولما كان الرسول يهددهم بنزول القيامة وأكثر في ذلك ، وأنهم ما رأوا منه أثرًا قالوا على سبيل السخرية: فمتى تقوم القيامة ، وليتها قامت حتى يظهر لنا أن الحق ما نحن عليه أو الذي عليه محمد وأصحابه ، فلدفع هذه الشبهة قال تعالى: { يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا والذين آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا } والمعنى ظهر ، وإنما يشفقون ويخافون لعلمهم أن عندها تمتنع التوبة ، وأما منكر البعث فلأن لا يحصل له هذا الخوف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت