« لا يحل دم امرىء مسلم الا لاحدى معان ثلاثة » ومنها قوله: « وزنا بعد إحصان » جعل الزنا بعد الاحصان علة لاباحة الدم في حق المسلم ، والمسلم محل لهذا الحكم ، أما العلة فهي مجرد الزنا بعد الإحصان ، بدليل أن لام التعليل إنما دخل عليه . أقصى ما في الباب أنه حكم في حق المسلم ، أن الزنا بعد الإحصان علة لاباحة الدم ، إلا أن كونه مسلما محل الحكم ، وخصوص محل الحكم لا يمنع من التعدية إلى غير ذلك المحل ، والا لبطل القياس بالكلية . وأما العلة فهي ما دخل عليه لام التعليل ، وهي ماهية الزنا بعد الاحصان ، وهذه الماهية لما حصلت في حق الثيب الذمي ، وجب أن يحصل في حقه اباحة الدم ، فثبت أنه مباح الدم . ثم ههنا طريقان: ان شئنا اكتفينا بهذا القدر ، فانا ندعي كونه مباح الدم والخصم لا يقول به ، فصار محجوجا ، أو نقول: لما ثبت أنه مباح الدم وجب أن يكون ذلك بطريق الرجم لأنه لا قائل بالفرق .
فان قيل: ما ذكرتم إن دل على أن الذمي محصن ، فههنا ما يدل على أنه غير محصن ، وهو قوله E: « من أشرك بالله فليس بمحصن » .
قلنا: ثبت بالدليل الذي ذكرناه ان الذمي محصن ، وثبت بهذا الخبر الذي ذكرتم أنه ليس بمحصن ، فنقول: إنه محصن بمعنى أنه لعله ذو زوج ، وغير محصن بمعنى أنه لا يحد قاذفه ، وقوله: من أشرك بالله فليس بمحصن يجب حمله على أنه لا يحد قاذفه ، لا على أنه لا يحد على الزنا ، لأنه وصفه بوصف الشرك وذلك جناية ، والمذكور عقيب الجناية لا بد وأن يكون أمرا يصلح أن يكون عقوبة ، وقولنا: انه لا يحد قاذفه يصلح أن يكون عقوبة ، أما قولنا: لا يحد على الزنا ، لا يصلح أن يكون عقوبة له ، فكان المراد من قوله: من أشرك بالله فليس بمحصن ما ذكرناه والله أعلم .
المسألة الرابعة: في قوله: { والمحصنات مِنَ النساء } قولان: أحدهما: المراد منها ذوات الأزواج ، وعلى هذا التقدير ففي قوله: { إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم } وجهان: الأول: أن المرأة اذا كانت ذات زوج حرمت على غير زوجها ، إلا اذا صارت ملكا لانسان فانها تحل للمالك ، الثاني: أن المراد بملك اليمين ههنا ملك النكاح ، والمعنى أن ذوات الأزواج حرام عليكم إلا اذا ملكتموهن بنكاح جديد بعد وقوع البنيوية بينهن وبين أزواجهن ، والمقصود من هذا الكلام الزجر عن الزنا والمنع من وطئهن إلا بنكاح جديد ، أو بملك يمين إن كانت المرأة مملوكة ، وعبر عن ذلك بملك اليمين لأن ملك اليمين حاصل في النكاح وفي الملك .