فهرس الكتاب

الصفحة 3456 من 8321

فإن قيل: لم سمي ذلك بالحج الأكبر؟

قلنا فيه وجوه: الأول: أن هذا هو الحج الأكبر ، لأن العمرة تسمى الحج الأصغر . الثاني: أنه جعل الوقوف بعرفة هو الحج الأكبر لأنه معظم واجباته ، لأنه إذا فات الحج ، وكذلك إن أريد به يوم النحر ، لأن ما يفعل فيه معظم أفعال الحج الأكبر . الثالث: قال الحسن: سمي ذلك اليوم بيوم الحج الأكبر لاجتماع المسلمين والمشركين فيه ، وموافقته لأعياد أهل الكتاب ، ولم يتفق ذلك قبله ولا بعده ، فعظم ذلك اليوم في قلب كل مؤمن وكافر . طعن الأصم في هذا الوجه وقال: عيد الكفار فيه سخط ، وهذا الطعن ضعيف ، لأن المراد أن ذلك اليوم يو استعظمه جميع الطوائف ، وكان من وصفه بالأكبر أولئك . والرابع: سمي بذلك لأن المسلمين والمشركين حجوا في تلك السنة . والخامس: الأكبر الوقوف بعرفة ، والأصغر النحر ، وهو قول عطاء ومجاهد . السادس: الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد ، وهو منقول عن مجاهد . ثم إنه تعالى بين أن ذلك الأذان بأي شيء كان؟ فقال: { أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين وَرَسُولُهُ } وفيه مباحث:

البحث اللأول: لقائل أن يقول: لا فرق بين قوله: { بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مّنَ المشركين } وبين قوله { أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين وَرَسُولُهُ } فما الفائدة في هذا التكرير؟

والجواب عنه من وجوه:

الوجه الأول: أن المقصود من الكلام الأول الإخبار بثبوت البراءة ، والمقصود من هذا الكلام إعلام جميع الناس بما حصل وثبت .

والوجه الثاني: أن المراد من الكلام الأول البراءة من العهد ، ومن الكلام الثاني البراءة التي هي نقيض الموالاة الجارية مجرى الزجر والوعيد ، والذي يدل على حصول هذا الفرق أن في البراءة الأولى برىء إليهم ، وفي الثانية: برىء منهم ، والمقصود أنه تعالى أمر في آخر سورة الأنفال المسلمين بأن يوالي بعضهم بعضًا ، ونبه به على أنه يجب عليهم أن لا يوالوا الكفار وأن يتبرؤا منهم ، فههنا بين أنه تعالى كما يتولى المؤمنين فهو يتبرأ عن المشركين ويذمهم ويلعنهم ، وكذلك الرسول ، ولذلك أتبعه بذكر التوبة المزيلة للبراءة .

والوجه الثالث: في الفرق أنه تعالى في الكلام الأول ، أظهر البراءة عن المشركين الذين عاهدوا ونقضوا العهد . وفي هذه الآية أظهر البراءة عن المشركين من غير أن وصفهم بوصف معين ، تنبيهًا على أن الموجب لهذه البراءة كفرهم وشركهم .

البحث الثاني: قوله: { أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين } فيه حذف والتقدير: { وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } بأن الله بريء من المشركين إلا أنه حذف الباء لدلالة الكلام عليه .

واعلم أن في رفع قوله: { وَرَسُولُهُ } وجوهًا: الأول: أنه رفع بالابتداء وخبره مضمر ، والتقدير ورسوله أيضًا بريء والخبر عن الله دل على الخبر عن الرسول . والثاني: أنه عطف على المنوي في بريء فإن التقدير بريء هو ورسوله من المشركين . الثالث: أن قوله: { أَنَّ الله } رفع بالابتداء وقوله: { بَرِىء } خبره وقوله: { وَرَسُولُهُ } عطف على المبتدأ الأول . قال صاحب «الكشاف» : وقد قرىء بالنصب عطفًا على اسم أن لأن الواو بمعنى مع ، أي برىء مع رسوله منهم ، وقرىء بالجر على الجوار وقيل على القسم والتقدير أن الله بريء من المشركين وحق رسوله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت