فهرس الكتاب

الصفحة 3454 من 8321

وأما قوله: { فَسِيحُواْ فِى الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } ففيه أبحاث: الأول: أصل السياحة الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب . يقال للصائم سائح لأنه يشبه السائح لتركه المطعم والمشرب . قال المفسرون: { فَسِيحُواْ فِى الأرض } يعني اذهبوا فيها كيف شئتم وليس ذلك من باب الأمر ، بل المقصود الإباحة والإطلاق والإعلام بحصول الأمان وإزالة الخوف ، يعني أنتم آمنون من القتل والقتال في هذه المدة .

البحث الثاني: قال المفسرون: هذا تأجيل من الله للمشركين أربعة أشهر ، فمن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطه إلى الأربعة ، ومن كانت مدته أقل من أربعة أشهر رفعه إلى الأربعة والمقصود من هذا الإعلام أمور: الأول: أن يتفكروا لأنفسهم ويحتاطوا في هذا الأمر ، ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة: إما الإسلام أو قبول الجزية أو السيف ، فيصير ذلك حاملًا لهم على قبول الإسلام ظاهرًا . والثاني: لئلا ينسب المسلمون إلى نكث العهد ، والثالث: أراد الله أن يعم جميع المشركين بالجهاد ، فعم الكل بالبراءة وأجلهم أربعة أشهر ، وذلك لقوة الإسلام وتخويف الكفار ، ولا يصح ذلك إلا بنقض العهود . والرابع: أراد النبي A أن يحج في السنة الآتية ، فأمر بإظهار هذه البراءة لئلا يشاهد العراة .

البحث الثالث: قال ابن الأنباري: قوله: { فَسِيحُواْ } القول فيه مضمر والتقدير: فقل لهم سيحوا أو يكون هذا رجوعًا من الغيبة إلى الحضور كقوله: { وسقاهم رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا } [ الإنسان: 21 ، 22 ] .

البحث الرابع: اختلفوا في هذه الأشهر الأربعة ، وعن الزهري أن براءة نزلت في شوال ، وهي أربعة أشهر: شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، وقيل هي عشرون من ذي الحجة ، والمحرم ، وصفر ، وربيع الأول ، وعشر من ربيع الآخر ، وإنما سميت حرمًا لأنه كان يحرم فيها القتل والقتال ، فهذه الأشهر الحرم لما حرم القتل والقتال فيها كانت حرمًا ، وقيل إنما سميت حرمًا لأن أحد أقسام هذه المدة من الأشهر الحرم لأن عشرين من ذي الحجة مع المحرم من الأشهر الحرم . وقيل: ابتداء تلك المدة كان من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول ، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت بسبب النسيء الذي كان فيهم ، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة وهي حجة الوداع ، والدليل عليه قوله E: « ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض »

وأما قوله: { واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله } فقيل: اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ولطف ليتوب من تاب . وقيل تقديره: فسيحوا عالمين أنكم لا تعجزون الله في حال . والمقصود: أني أمهلتكم وأطلقت لكم فافعلوا كل ما أمكنكم فعله من إعداد الآلات والأدوات ، فإنكم لا تعجزون الله بل الله يعجزكم ويقهركم . وقيل: اعملوا أن هذا الإمهال لأجل أنه لا يخاف الفوت ، لأنكم حيث كنتم فأنتم في ملك الله وسلطانه ، وقوله: { وَأَنَّ الله مُخْزِى الكافرين } قال ابن عباس: بالقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة . وقال الزجاج: هذا ضمان من الله D لنصرة المؤمنين على الكافرين والإخزاء والإذلال مع إظهار الفضيحة والعار ، والخزي والنكال الفاضح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت