فهرس الكتاب

الصفحة 3038 من 8321

البحث الأول: أنه حال معطوفة على قوله: { بَيَاتًا } كأنه قيل: فجاءها بأسنا بائتين أو قائلين . قال الفراء: وفيه واو مضمرة ، والمعنى: أهلكناها فجاءها بأسنا بياتًا أو وهم قائلون ، إلا أنهم استثقلوا الجمع بين حرفي العطف ، ولو قيل: كان صوابًا ، وقال الزجاج: أنه ليس بصواب لأن واو الحال قريبة من واو العطف ، فالجمع بينهما يوجب الجمع بين المثلين وأنه لا يجوز ، ولو قلت: جاءني زيد راجلًا وهو فارس لم يحتج فيه إلى واو العطف .

البحث الثاني: كلمة «أو» دخلت ههنا بمعنى أنهم جاءهم بأسنا مرة ليلًا ومرة نهارًا ، وفي القيلولة قولان: قال الليث: القيلولة نومة نصف النهار . وقال الأزهري: القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر ، وإن لم يكن مع ذلك نوم ، والدليل عليه: أن الجنة لا نوم فيها والله تعالى يقول: { أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا } [ الفرقان: 24 ] ومعنى الآية أنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له ، إما ليلًا وهم نائمون ، أو نهارًا وهم قائلون ، والمقصود: أنهم جاءهم العذاب على حين غفلة منهم من غير تقدم أمارة تدلهم على نزول ذلك العذاب ، فكأنه قيل: للكفار لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة والفراغ ، فإن عذاب الله إذا وقع ، وقع دفعة من غير سبق أمارة فلا تغتروا بأحوالكم .

ثم قال تعالى: { فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ } قال أهل اللغة: الدعوى اسم يقوم مقام الادعاء ، ومقام الدعاء . حكى سيبويه: اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين ، ودعوى المسلمين . قال ابن عباس: فما كان تضرعهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين فأقروا على أنفسهم بالشرك . قال ابن الأنباري: فما كان قولهم إذ جاءهم بأسنا إلا الاعتراف بالظلم والإقرار بالإساءة وقوله: { إِلاَّ أَن قَالُواْ } الاختيار عند النحويين أن يكون موضع أن رفعًا بكان ويكون قوله: { دَعْوَاهُمْ } نصبًا كقوله: { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ } [ النمل: 56 ] وقوله: { فَكَانَ عاقبتهما أَنَّهُمَا فِى النار } [ الحشر: 17 ] وقوله: { مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن } [ الجاثية: 25 ] قال ويجوز أن يكون أيضًا على الضد من هذا بأن يكون الدعوى رفعًا ، و { أن قالوا } نصبًا كقوله تعالى: { لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ } [ البقرة: 177 ] على قراءة من رفع البر ، والأصل في هذا الباب أنه إذا حصل بعد كلمة كان معرفتان فأنت بالخيار في رفع أيهما شئت ، وفي نصب الآخر كقولك كان زيد أخاك وإن شئت كان زيدًا أخوك . قال الزجاج: إلا أن الاختيار إذا جعلنا قوله: { دَعْوَاهُمْ } في موضع رفع أن يقول: { فَمَا كَانْ دَعْوَاهُمْ } فلما قال: كان دل على أن الدعوى في موضع نصب ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه يجوز تذكير الدعوى ، وإن كانت رفعًا فتقول: كان دعواه باطلًا ، وباطلة ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت