وأما الوجه الثالث: وهو الذي ذكره أبو مسلم فهو أحسن الوجوه المذكورة في هذا الباب: لأنا نقول: إن قوله: { يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُورًا } يقتضي أن يكون الغرض من ذلك الإيحاء هو التغرير . وإذا عطفنا عليه قوله: { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } فهذا أيضًا عين التغرير لا معنى التغرير ، إلا أنه يستميله إلى ما يكون باطنه قبيحًا . وظاهره حسنًا ، وقوله: { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } عين هذه الاستمالة فلو عطفنا لزم أن يكون المعطوف عين المعطوف عليه وأنه لا يجوز ، أما إذا قلنا: تقدير الكلام وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من شأنه أن يوحي زخرف القول لأجل التغرير وإنما جعلنا مثل هذا الشخص عدوًا للنبي لتصغى إليه أفئدة الكفار ، فيبعدوا بذلك السبب عن قبول دعوة ذلك النبي ، وحينئذ لا يلزم على هذا التقدير عطف الشيء على نفسه . فثبت أن ما ذكرناه أولى .
المسألة الثالثة: زعم أصحابنا أن البنية ليست مشروطًا للحياة ، فالحي هو الجزء الذي قامت به الحياة ، والعالم هو الجزء الذي قام به العلم ، وقالت المعتزلة: الحي والعالم هو الجملة «لا» ذلك الجزء .
إذا عرفت هذا فنقول: احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم ، لأنه قال تعالى: { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } فجعل الموصوف بالميل والرغبة هو القلب ، لا جملة الحي ، وذلك يدل على قولنا .
المسألة الرابعة: الذين قالوا الإنسان شيء مغاير للبدن اختلفوا . منهم من قال: المتعلق الأول هو القلب ، وبواسطته تتعلق النفس بسائر الأعضاء كالدماغ والكبد . ومنهم من قال: القلب متعلق النفس الحيوانية ، والدماغ متعلق النفس الناطقة ، والكبد متعلق النفس الطبيعية ، والأولون تعلقوا بهذه الآية ، فإنه تعالى جعل محل الصغو الذي هو عبارة عن الميل والإرادة القلب ، وذلك يدل على أن المتعلق بالنفس القلب .
المسألة الخامسة: الكناية في قوله: { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ } [ الأنعام: 113 ] عائدة إلى زخرف القول ، وكذلك في قوله: { وَلِيَرْضَوْهُ } .
وأما قوله: { وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ } فاعلم أن الاقتراف هو الاكتساب ، يقال في المثل: الاعتراف يزيل الاقتراف ، كما يقال: التوبة تمحو الحوبة . وقال الزجاج: { ليقترفوا } أي ليختلفوا وليكذبوا ، والأول أصح .