أما القيد الثاني: فهو قوله: { وَجَاءهُمُ الموج مِن كُلّ مَكَانٍ } والموج ما ارتفع من الماء فوق البحر .
أما القيد الثالث: فهو قوله: { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } والمراد أنهم ظنوا القرب من الهلاك ، وأصله أن العدو إذا أحاط بقوم أو بلد ، فقد دنوا من الهلاك .
السؤال الخامس: ما المراد من الإخلاص في قوله: { دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } .
والجواب: قال ابن عباس: يريد تركوا الشرك ، ولم يشركوا به من آلهتهم شيئًا ، وأقروا لله بالربوبية والوحدانية . قال الحسن: { دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ } الإخلاص الإيمان ، لكن لأجل العلم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله تعالى ، فيكون جاريًا مجرى الإيمان الاضطراري . وقال ابن زيد: هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون ، فإذا جاء الضر والبلاء لم يدعوا إلا الله . وعن أبي عبيدة أن المراد من ذلك الدعاء قولهم أهيا شراهيا تفسيره يا حي يا قيوم .
السؤال السادس: ما الشيء المشارإليه بقوله { هذه } في قوله: { لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه } ؟
والجواب المراد لئن أنجيتنا من هذه الريح العاصفة ، وقيل المراد لئن أنجيتنا من هذه الأمواج أو من هذه الشدائد ، وهذه الألفاظ وإن لم يسبق ذكرها ، إلا أنه سبق ذكر ما يدل عليها .
السؤال السابع: هل يحتاج في هذه الآية إلى إضمار؟
الجواب: نعم ، والتقدير: دعوا الله مخلصين له الدين مريدين أن يقولوا لئن أنجيتنا ، ويمكن أن يقال: لا حاجة إلا الإضمار ، لأن قوله: { دَّعَوَا الله } يصير مفسرًا بقوله: { لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } فهم في الحقيقة ما قالوا إلا هذا القول .
واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا التضرع الكامل بين أنهم بعد الخلاص من تلك البلية والمحنة أقدموا في الحال على البغي في الأرض بغير الحق . قال ابن عباس: يريد به الفساد والتكذيب والجراءة على الله تعالى ، ومعنى البغي قصد الاستعلاء بالظلم . قال الزجاج: البغي الترقي في الفساد قال الأصمعي: يقال بغى الجرح يبغي بغيًا إذا ترقى إلى الفساد ، وبغت المرأة إذا فجرت ، قال الواحدي: أصل هذا اللفظ من الطلب .
فإن قيل: فما معنى قوله: { بِغَيْرِ الحق } والبغي لا يكون بحق؟
قلنا: البغي قد يكون بالحق ، وهو استيلاء المسلمين عل أرض الكفرة وهدم دورهم وإحراق زروعهم وقطع أشجارهم ، كما فعل رسول الله A ببني قريظة . ثم إنه تعالى بين أن هذا البغي أمر باطل يجب على العاقل أن يحترز منه فقال: { ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ الحياة الدنيا } وفيه مسائل: