فهرس الكتاب

الصفحة 6530 من 8321

ثم قال تعالى: { إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ الله شَيْئًا } أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة فصرت مستحقًا للعذاب ، فهم لا يقدرون على دفع عذاب الله عنك ، ثم بيّن تعالى أن الظالمين يتولى بعضهم بعضًا في الدنيا وفي الآخرة ، ولا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثواب وإزالة العقاب ، وأما المتقون المهتدون ، فالله وليهم وناصرهم وهم موالوه ، وما أبين الفرق بين الولايتين ، ولما بيّن الله تعالى هذه البيانات الباقية النافعة ، قال: { هذا بصائر لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } وقد فسرناه في آخر سورة الأعراف ، والمعنى هذا القرآن بصائر للناس جعل ما فيه من البيانات الشافية ، والبينات الكافية بمنزلة البصائر في القلوب ، كما جعل في سائر الآيات روحًا وحياة ، وهو هدى من الضلالة ، ورحمة من العذاب لمن آمن وأيقن ، ولم بيّن الله تعالى الفرق بين الظالمين وبين المتقين من الوجه الذي تقدم ، بيّن الفرق بينهما من وجه آخر ، فقال: { أم حسب الذين اجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات } وفيه مباحث:

البحث الأول: { أَمْ } كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفًا على شيء آخر ، سواء كان ذلك المعطوف مذكورًا أو مضمرًا ، والتقدير ههنا: أفيعلم المشركون هذا ، أم يحسبون أنا نتولاهم كما نتولى المتقين؟

البحث الثاني: الاجتراح: الاكتساب ، ومنه الجوارح ، وفلان جارحة أهله ، أي كاسبهم ، قال تعالى: { وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار } [ الأنعام: 60 ] .

البحث الثالث: قال الكلبي: نزلت هذه الآية في علي وحمزة وأبي عبيدة بن الجراح Bهم ، وفي ثلاثة من المشركين: عتبة وشيبة والوليد بن عتبة ، قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم على شيء ، ولو كان ما تقولون حقًا لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة ، كما أنا أفضل حالًا منكم في الدنيا ، فأنكر الله عليهم هذا الكلام ، وبيّن أنه لا يمكن أن يكون حال لمؤمن المطيع مساويًا لحال الكافر العاصي في درجات الثواب ، ومنازل السعادات .

واعلم أن لفظ { حَسِبَ } يستدعي مفعولين أحدهما: الضمير المذكور في قوله { أَن نَّجْعَلَهُمْ } والثاني: الكاف في قوله { كالذين ءامَنُواْ } والمعنى أحسب هؤلاء المجترحين أن نجعلهم أمثال الذين آمنوا؟ ونظيره قوله تعالى: { أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت